قالت الكاتبة سميحة خريس إن الرواية مشروع ثقافي كثيف، يصادر الوقت، ويهيمن على الذهن، ويسير إيقاع الانجاز و التفكير والاهتمام، إما أن تحيد كل فن أخر وتتفرغ للرواية، و إما أن تربكك، وقد اخترت في مشوار حياتي أن أهب الرواية عمراً وافياً لأنها بالمقابل تهبني الكثير، المعرفة والتحليق وإعادة صياغة الحياة، أمور تتاح لي مع اشتغالي بالرواية.
وزادت في شهادة قدمتها في المكتبة الوطنية حول مجموعتها القصصية الصادرة عن دار نارة أن نوعاً من التوهم يصيبني، كأن أكتب نصاً وأظن إنه من نسيج العمل الروائي الذي أكون عاكفة عليه، ولكني أكتشف إنه مشهد منفصل تماماً، لا يمكنني مهما حاولت وتحايلت، الزج به في العالم الذي يشكل الرواية، هذا الافتراض رافقني بشدة مثلاً؛ وأنا أكتب رواية الرقص مع الشيطان، وإذا بي أكتب قصة قصيرة بعنوان «سميرة»، ظننت أني أستطيع خياطة القصة بالنص لتكون جزءً منه، ولكن ذلك بدا مستحيلاً، ترقيع يفسد النصين معاً، إذا أن الروائية كتبت قصة.
وبينت في المحاضرة التي أدارها رئيس رابطة الكتاب سعود قبيلات أن «دومينو»، ولدت في الوقت الذي أنشغل فيه بكتابة عمل معقد وشائك للغاية فكرياً ولغوياً، وأقصد رواية «يحيى الكركي».
وأشارت في المحاضرة التي حضرها مدير عام المكتبة الوطنية بالوكالة الباحث محمد يونس العبادي أن تقافزت القصص كعالم منفصل قادر على نشلي من الغرق في الرواية، ولما كنت أخاف على نصوصي القصصية من الضياع نظراً لتباعد فترات كتابة القصة، و تشظي مواقع نشرها في الصحف والمجلات، فإني عمدت إلى طباعة مجموعة «دومينو» جامعة بين قصص قديمة تناثرت وغابت، وقصص جديدة شكلت لدي حالة شعورية عالية، وأنتجت نصوصاً كثيرة، إضافة إلى تجربة لغوية وفلسفية خفية في القصتين اللتين تحملان اسم دومينو، أو نفس الاسم مقلوباً كما في المرآة.
وأعربت خريس في المحاضرة التي جرت أمس ضمن فعاليات برنامج «كتاب الأسبوع» أن القصة القصيرة مجال للتجريب بصورة أرحب من الرواية، ربما كان ذلك المقطع من الحياة أو المشاعر أو الومضات صغيراً، لكنه مدهش قادر على لعب دور عينة البحث والتجريب والتجديد، وأنا رغم اعتزازي بكلاسيكيات الكتابة ،إلا أني مسكونة بهواجس التجديد في النصوص، أحياناً يصل الأمر إلى رسائل خفية تحتاج إلى قارئ مسلح بنظرة نقدية عالية، مثل إقدامي على ترك ثلاثة صفحات بيضاء في رواية خشخاش، وقد استفزتني رغبة التجديد والتجريب أمام مجموعة «دومينو»، التي يمكنني أن أقسمها إلى مراحل تتعلق بأزمنة الكتابة، وأخرى تتعلق بدلالات حياتية، وأخرى تنفرد بكونها بهلوانيات الكتابة.
وقالت يمكنني أن أنسب القصتين دومينو ومثيلتها دومينو المقروئة في المرآة إلى البهلوانيات، وليعذرني النقاد على اجتراح اسم غير مصنف نقدياً، لكنه عندي أقرب ما يكون إلى وصف الحالة، وأظن أن أحدنا لا يجهل لعبة الدومينو ، تلك الحجارة البيضاء المنقطة بالسواد، التي يمثل اصطفافها شكلاً رمزياً لاصطفاف الحياة، وتتمتع بخاصية ظريفة ممتعة للاعب.
وشرحت الكاتبة حين يمكنك أن تلمس باصبعك الحجر الأول، فيميل ويدفع أمامه الحجارة تباعاً حتى أخر حجر، ويسقط البناء كله، هكذا رأيت الحياة، أسباب تودي إلى أسباب ، وأبواب تفتح أبواباً، ولعبة مدورة منذ البداية وحتى النهاية.
وكشفت الكاتبة لقد جربت التعبير عن خفايا تراودني حول الوجود، ولست أظن أني مطالبة بشهادة ولا حتى في النص بتقديم أجوبة على الأسئلة العظيمة المحيرة، ولكنها قراءة فنية مغرية، قد تسترعي اهتمام الناقد الجاد.
وبينت صاحبة روايات «القرمية، الصحن، الطوفان، شجرة الفهود..» أن هناك نصوصا ذهبت إلى تقصي الحالات الشعورية الحادة للمرأة في حالة العشق، وهذه قصيرة تبدو مثل مقاطع رومانسية أقرب إلى الشعرية استجابة للحالة نفسها، في حين أن هناك قصص ترصد حالات تمزق الحالة الرومانسية وتكشفها عن العنف الذي يطال المشاعر الانسانية عندما تنفصم علاقة الرجل والمرأة.
وختمت خريس إن ردود الفعل تجاه الكتابة عموماً لا تقنع الكتاب، إنهم يشعرون بالغبن وبأن الناقد لا يولى النص عناية تجعله يتفحصه ويحلله ويكون منه موقفاً، حتى لو كان موقفاً سلبياً، عن اعتقاد بأن الكاتب ينتظر التصفيق والإعجاب ولا يستمع لسواه، وقد قطعنا تلك المرحلة ، إلا أن النقاد ما زالوا يترددون.








5118 ,Amman 11183, Jordan