في كل انتخابات نيابية تبرز على السطح مقولة أن «المرأة ضد المرأة» بالانتخابات، لذلك لا تصل النساء إلى البرلمان بالتنافس إلا بتجارب فردية، ما يجعل وجود الكوتا النسائية ضرورة لا غنى عنها.
أنصار هذه المقولة يعززون موقفهم بالأرقام والتي تفيد أن قرابة 52% من المقترعين بالانتخابات النيابية السابقة هن نساء، ومع ذلك لم تحصل المرشحات 199 إلا على 47 ألف صوت من النساء أي أن النسبة لا تتجاوز أعشار بالمئة.
ويحلو لهؤلاء التأكيد على النظرة العدائية التي تستقبل فيها المرأة التي تسعى لدخول غمار العمل العام سواء في الانتخابات أو الوظائف العليا، تحت ذريعة عدم أهليتها لهذا الأمر.
الصورة تبدو للوهلة الأولى قاتمة وتحتاج من المجتمع إلى العمل وفق خطة ممنهجة لإعادة صياغة الموروث الثقافي الذي يدفع المرأة الى حجب صوتها عن بنات جنسها عندما تصل إلى صندوق الاقتراع، حتى وإن قدمت وعودا لمرشحة بأن صوتها لها.
إحجام المرأة عن دعم المرأة تعد وفق مدير مركز القدس للدراسات الكاتب عريب الرنتاوي، من العقبات التي تواجه المرأة في المعركة الانتخابية، والتي يرى أنها ليست «خللا جينيا» بالنساء وإنما هي نتيجة موروث ثقافي أدى الى هذه النتيجة.
الرنتاوي الذي قاد مركزه على مدى الأشهر الماضية برنامجا على مستوى محافظات المملكة لتطوير نظام الكوتا النسائية في قانون الانتخابات، قال ل»الرأي» أنه كان يعتقد أن الطرح بسلبية المرأة اتجاه المرأة بهذا الشكل فيه نوع من المبالغة.
لكنه «لمسه لمس اليد» عبر الميدان، وبالأرقام التي تعكس ذلك، فقد أورد أرقاما تؤكد ما ذهب اليه وهو أن اللواتي شاركن بالانتخابات السابقة 199 مرشحة حصلن على 47 ألف صوت من مجموع أصوات النساء المقترعات.
وزاد الرنتاوي بقوله أن النقاشات والمداولات في الندوات تسودها أحيانا كثيرة اللغة الاتهامية والإقصائية والتشكيكية، بين النساء، وتعكس عدم قناعة النساء بدور المرأة وقدرتها على تولي مناصب والدخول إلى البرلمان.
ويرد ذلك لأسباب تتعلق بأن المجتمع الأردني تربى بعقلية ذكورية، وتأنس فيه المرأة لوجود الرجل في موقع قيادي، ومن أحد الأسباب برأيه أن صوت المرأة «غير محرر»، بمعنى أنها تخضع لإرادة رجل العائلة، فضلا عن أن بعض المرشحات غير كفؤات ما يدفع النساء لحجب الأصوات عنهن.
ولفت الرنتاوي إلى أن قوانين الانتخابات منذ عام 1993 لغاية الآن هي «غير صديقة للمرأة»، وتساهم بصورة كبيرة لعدم انتخاب المرأة، داعيا إلى اعتماد نظام التمثيل القوائم الوطنية النسبية ، صوت للقائمة الوطنية، لمرشح الدائرة.
ورغم قناعة الرنتاوي بان المرأة بنسبة كبيرة هي ضد المرأة بالانتخابات، إلا أنه يرى أن هذا الأمر هو نتاج «موروث ثقافي سائد»، بأن المرأة ليست موضع ثقة لتبوء هذه المناصب، جاءت من ثقافة العائلة والعشيرة والحارة ومن الكتب المدرسية التي تربت عليها أجيال.
وأضاف أنه من لحظة تقسيم الكتب الدراسية للمجتمع بأن المرأة مكانها المطبخ والمنزل، والرجل هو صاحب الفكر والعمل، وتربيتنا لأولادنا بان الأخت تلبي طلبات أخيها، نكون رسخنا العقلية الذكورية وعدم قدرة المرأة على تبوء المناصب القيادية.
وشدد الرنتاوي على أن موقف المرأة من المرأة «ليس خللا جينيا بالنساء» وبالتالي يمكن تداركه عبر العمل بخطة منهجية مدروسة لتغيير المجتمع.
مرشحة لم يحالفها الفوز بالانتخابات السابقة قرأت الوضع بصورة مغايرة عن الرنتاوي وإن التقت معه بأن الموروث الثقافي وذكورية المجتمع هما المحرك الأساسي لنظرة المرأة العدائية تجاه المرأة.
وبينت من خلال تجربتها الشخصية أن المرأة تحتاج الى العمل المكثف وبفترة مناسبة قبل الانتخابات لإقناعها بجدوى مشاركة النساء بالبرلمان، وأهمية وجودهن لخدمة قضايا المرأة ولإنصافها، مشيرة إلى غياب دور المنظمات النسائية بالمحافظات بهذا المجال.
وقالت المرشحة التي فضلت عدم ذكر اسمها أن «صوت المرأة رهن قرار الذكر «، فالنساء لا يخرجن عن الإجماع العائلي أو العشائري، وقدرت نسبة النساء اللواتي يترك الأمر لهن للاختيار بحرية بقرابة 20% وهؤلاء نسبة منهن يتبنين أفكارا ويرددن ما يقوله المجتمع بان المرأة لا تصلح للمواقع القيادية وخصوصا للبرلمان الذي يحتاج إلى رجال، على حد تعبيرهن!!.
رئيسة إتحاد المرأة الأردنية آمنة الزعبي قدمت وجهة نظر مختلفة بقولها أنها «لا تستطيع أن تسلم بالمقولة» التي وصفتها بأنها «سطحية»، فهي لا تعتبر أن المرأة ضد المرأة بالانتخابات، فالموضوع ليس سيكولوجيا، وإنما يخضع لمجموعة عوامل موضوعية.
ومن هذه العوامل وفق الزعبي أن الذهنية الديمقراطية لدى المجتمع الأردني ما زالت في بدايتها، وبحاجة إلى التطوير نتيجة انقطاع الناس عن الانتخابات لفترة طويلة، الى جانب الذهنية العشائرية.
وأوضحت أن مرشح العشيرة ومرشح العائلة يفوز بمجمل الأصوات، وبالعادة الإجماعات العشائرية التي تتم «ينتخي» الرجل ليس بصوته وحده وإنما بصوت نساء العائلة، وبالتالي صوت المرأة «مجير سلفا» ما يعني ان تبعيتها لا تقتصر على القوانين وإنما أيضا بصوتها.
ونوهت أنه من تجربتها الشخصية بالانتخابات السابقة تلقت وعودا من نساء لانتخابها، لكن يوم الاقتراع جئن ضمن جماعات انتخبن وفق عهود قطعها رجال العائلة لمرشح معين، ما منعهن من الخروج عن الالتزام، مشددة أن المرأة محكوم عليها سلفا ان تنتخب مرشح الإجماع تحت تهديد الطلاق في أحيان كثيرة.
وأشارت الزعبي إلى ان الذهنية الاجتماعية قائمة على بعض أفكار منها أن الدور البرلماني ليس للنساء وإنما للرجال، فضلا عن قانون الانتخاب.
وترى الزعبي أن التغيير المجتمعي بهذا الجانب بحاجة إلى تكاتف المجتمع ضمن خطة وطنية، لا تستطيع المنظمات النسائية وحدها تنفيذه، مشيرة إلى أن الاتحاد ينفذ برنامجا حاليا، لتوعية النساء على كيفية ينتخبن النساء الكفوءات حتى نتمكن من تغيير المجتمع إزاء دور المرأة، خصوصا أن النساء اللواتي وصلن إلى البرلمان لم يلعبن دورا إيجابيا حيال قضايا المرأة والمجتمع.








5118 ,Amman 11183, Jordan