لا أتحدث عن المرأة العربية المبدعة اليوم ، لست أعني امرأة القرن الحادي والعشرين ، بل المرأة العربية المبدعة والمتفوقة في القرن التاسع عشر للميلاد.. ولن تكون مقالتي هذه خطبة تقليدية في الحديث عن إبداعات المرأة كما اعتدنا ، ولن أطالب بحقوقها ، فهذا خطاب عتيق ولا نحتاجه في هذا الزمن المضيء ، بل سأفتح ملفاً جديداً ، يرصد إبداعات المرأة العربية في القرن التاسع عشر للميلاد. وهو موضوع كتابي الجديد الذي آمل أن أنتهي منه قريباً.
مَنْ منا يعرف أن السيدة مريم قرينة نسيم أفندي نوفل ، ألفّت كتاباً عام م1879 ، يتحدث عن تراجم مشاهير النساء ، واسمته (معرض الحسناء في تراجم مشاهير النساء) وقدمته هدية لحرم سمّو إسماعيل باشا خديوي مصر ، ومريم هي ابنة جبرائيل نصر الله نحاس ، المولودة في بيروت عام م1856 ، تلقت علومها في المدارس الانجليزية السورية لمدة ثماني سنوات قضتها في المدرسة الداخلية ثم الخارجية ، وتعلمت العربية والانجليزية والتاريخ والجغرافيا والحساب والبيانو وجميع أشغال الإبرة واليد ، ومع عام م1873 أخذت تؤلف كتابها ورتبته على طريقة القواميس الأجنبية ، وقد توفيت عام م1888 ، ولا نعلم أن كانت الفت كتباً أخرى غيره ، لكن ما لفت انتباهنا طبيعة المواد الدراسية التي كانت تتلقاها النساء العربيات في منتصف القرن التاسع عشر ، ودلالاتها الثقافية على المرحلة في مصر وبلاد الشام.
أما مريانا مراش الحلبية فشاعرة مدهشة ، وهي شقيقة الشاعر والرحالة الحلبي المعروف فرنسيس مراش الحلبي ، وقد وصلنا ديوانها المطبوع عام م1893 ، في بيروت ، بالمطبعة الأدبية ، وطبع (بالرخصة الرسمية من نظارة المعارف الحلبية ورقمه )716 وتعود قصائدها المنشورة فيه إلى سنوات م1888 و م1876 و1881م و م1877 ، وأقدمها يعود إلى عام م1874 ، ومع أن ديوانها صغير في حجمه ، إلا انه يضم قصائد جميلة ، بعضها أهدته إلى السلطان عبد الحميد في عيد جلوسه ، أو إلى والي حلب العثماني ، وغالبية شعرها بمناسبات محلية ، ولفت انتباهي أبيات لمريانا (قرضت فيها رواية أدبية) وهو ما لا نجده في شعر غيرها ، وهو بالتالي مؤشر على احتفاء أهالي حلب بالأدب (الروايات) كما نظمت في القدود الحلبية الشهيرة ، وحفظت لنا مظاهر اجتماعية من بيئة حلب المعروفة برقي الآداب والفنون فيها آنذاك ، فضلاً عن التجارة والحضارة.
اما ما ادهشني حقاً فسيرة السيدة انيسة صيبعه ، والتي ترجمت قصة (كورين) من الانجليزية الى العربية ، وقد أشارت صحيفة المقتطف عام م1895 ، إلى ان انيسه (ذهبت الى بلاد الانجليز لتلقي العلوم الطبية ، فدخلت مدرسة لندن التي تعلم البنات العلوم الطبية ، بعد ان امتحنت في الدروس الاستعدادية لعلم الطب ، ونجحت) ، لكنها اكتشفت ان مدرسة لندن لا تعطي الدبلوما الطبية ، فانتقلت إلى (مدرسة ايدينيرج) الجامعة ، وتقدمت لامتحانات السنة الأولى الطبية ومعها مئة وثلاثون طالباً ، ففازت عليهم كلهم ، وكانت الوحيدة التي اجتازت الامتحانات بنجاح ، وتقديراً للسيدة انيسة ، أهداها أستاذها الكيماوي المعروف (الأستاذ رمسي) كتابه الذي يتحدث فيه عن (عنصر الأرغون الذي اكتشفه حديثاً)، وقد قرأت في الصحافة المعاصرة مقالات لانيسه تشير إلى الوعي والذكاء.
هذه نماذج فقط مما جمعته لسيرة المرأة العربية في القرن التاسع عشر ، أنها نماذج تقلب التصورات التقليدية التي لقنتنا إياها مدارسنا وجامعاتنا ومؤسساتنا ، عن الجهل والظلام وعن حالة المرأة العربية المحبوسة في البيوت.. لقد أدهشتني مقدرة النساء على الخطاب الجريء ، والمطالبة بحقوقهن ، فلا يكاد يمر عدد من المجلات الأدبية والفكرية الراقية في بيروت والقاهرة ، إلا وتشارك فيه امرأة متنورة وجريئة ، وعادة ما كنّ يتلقين تعليمهن في مدارس أجنبية ، ويتقن اللغات الأجنبية،.
أصارحكم أعزائي القراء بأنني سعيدة حقاً بهذا الكتاب ، الذي يغير الخطاب التقليدي الذي اعتدناه ، ويطرح صورة أخرى موثقة لامرأة مفكرة ومبدعة وجريئة ، ولا أظن احداً منا ينسى مريم نحاس أو انيسه صيبعة أو مريانا مراش الحلبية وغيرهن وغيرهن ، هؤلاء الجدات المبدعات اللواتي نسيناهن لأكثر من قرن ونصف القرن أعدكم بأن أعرفكم عليهن واحدة واحدة ، فهن بالتأكيد مبدعات ومدهشات ايضاً،،،








5118, Amman 11183, Jordan