كانت قد استعدّت ووقفت عند النافذة سارحة حين دخلت أمّها فجأة لتقول: «ما هذا الذي ارتديتيه؟» وهرعت نحو الخزانة لتخرج ثوباً رسميّاً وتُضيف: «هذا أفضل، هيّا، سيصل بعد قليل، أسرعي!» وخرجت. ثمّ سرعان ما عادت لتقول: «لا تنسي ارتداء الحذاء الجديد ذي الكعب العالي!»
وانصاعت للأوامر، فلا مفر، لن تستطيع الرفض، فالخطبة ليست رسميّة تقليديّة هذه المرّة، ستخرج معه برفقة أخته وبوجود والديها... وإذا ما أعجبها، سيتقدّم للخطبة رسميّاً، هذا ما وافق عليه الجميع حسب طلبها.
ووصل، كان وسيماً، أنيقاً بشكل لافت للنظر، أوّل ما لفت نظرها أنّه لم يخلع نظّارته الشمسيّة وهو يسلّم عليهم. وانطلقوا، فانتبهت إلى أنّه حليق الشعر... نظافة وعناية مفرطة... فتمنّت لو كان أكثر بساطة!
وبدا الجو متكلّفاً ثقيلاً طوال الطريق. زاد في هذا إحساسها بالألم من حذائها، ولاحت منها نظرة لوالدها، فلم تملك إلا أن تشفق عليه من ربطة العنق التي خنق نفسه بها نزولاً عند إلحاح والدتها عليه!
ورأت في الأمر طرافة، فالخروج بملابس رسميّة في يوم ربيعي رائع أمر يبعث على الضحك. وخطر لها أن تقول هذا بتلقائيّة، لكنّها عدلت إذ تذكّرت أنّه سيعد خروجاً على التقاليد، وعلى الحياء الذي يجب أن تتلفّع به كمشروع عروس!
وصلوا أخيراً إلى أحد المتنزّهات، واتّخذ كل منهم مقعده، فساءها أنّه لم يخلع نظّارته بعد، رغم أنّ أشعة الشمس لم تكن بتلك الحدّة... ثمّ أنّ ألوان الربيع كانت جديرة بأن تشاهد بلا أيّة حواجز... كما لفت انتباهها خاتم ماسي في خنصره.. هي تمقت الخواتم الثمينة في أصابع الرجال... لا بل وفي أصابع النساء أحياناً.
وتركته يحدّث والدها، وبدا لها واسع الاطلاع ويعرف الكثير في أمور عديدة، وكان يقطع حديثه بين الحين والآخر ليتوجّه لها بالسؤال قائلاً: «تُرى ما رأي الآنسة؟» فتردّد كلاماً بلا معنى، ثمّ تتابع سرحانها، دون أن تنسى أنّ عيني أخته تراقبانها بصمت، فيما كانت تتلقّى (لكزة) من أمّها من وقت لآخر تذكّرها بضرورة الابتسام... وبالتوقّف عن التهام المخلّل!
انتهت الجلسة أخيراً، وقام هو بدفع الحساب، وظهر أنّه دفع للنادل إكراميّة كبيرة... بحجم الإنحناءة التي أتحفهم بها وهم يغادرون المكان.
عند باب المتنزّه، كان يقف طفل وطفلة يحملان عقوداً من زهور الربيع... ووجدتهما يركضان نحو السيارة، يعرضان عليهم شراء منها. ودون أن تفكّر مدّت يدها إلى حقيبتها لتبتاع واحدة، فأفاقت على أمّها تنهرها، وتذكّرها أن هذا لا يليق بوجود الرجال...
فانتظرت أن تُهدى عقداً منها... وانتظرت دون فائدة، وشكّت أنّه رآهما أصلاً، وسرعان ما وجدته ينطلق بسيّارته مُثيراً الغبار في وجه الطفلين... وعلى عقود الزهر!
في تلك الليلة، كان حذاؤها ذو الكعب العالي قد عاد ليقبع بإهمال في إحدى الزوايا... فيما انهمكت أمّها في إجراء اتصالات هاتفية مع الخالة حيناً، والعمة حيناً وهي تقول: «شاب لا يعيبه شيء، أقسم لك... رفضته... تصوّري، أمّا السبب، أعدم عمري لو أفهمه. تقول بسبب نظّارته... بسبب عقد من الدحنون الذابل... لقد جنّت، هذا مُحتمل... لا بل مؤكّد!».








5118, Amman 11183, Jordan