رحلتها مضمخة بالتعب والرحيل، وكأنما هو قدر الأجداد، يتجدد في تفاصيل حياتها منذ الصرخة الأولى، فلقد كانت صامتة كجبال القوقاز، بيضاء السريرة نقاء الثلج الناعم، عميقة النظر كمثل زرقاء اليمامة، تحمل حزناً نبيلاً يبحر عميقاً في بؤرة العين الفرحة، هي التي ارتبطت بالبدايات الصبة منذ سميت زهرة تيمناً بفاطمة الزهراء، مذكرة بفجر الدعوة المحمدية، وانحدرت من عائلة شركسية معروفة، تحمل على أكتافها سنين من الترحال القسري والهجرة المضنية، سكنها رحيل مبكر قبل الرحيل، واستوطنها قلق الوجود المهدد بالغياب قبيل الكتابة وبعيدها، فجاء العمر مختنقاً باللحظات المشحونة والمرتبكة.
وخرجت زهرة عمر إلى فضاء عمان المتوثب ليقظة جديدة في الثاني عشر من شهر كانون الأول لعام 1933م، وصدف أن هذا اليوم ذكرى المولد النبوي، فسميت زهرة، حيث تركت هذه الزهرة لطفولتها، أن تنمو وتمتد في أكناف البيت الحجري الكبير، الذي بناه جدها الشركسي العتيد، الغرف كبيرة بسقف مرتفع، أما النوافذ فتنتصب طولياً كأبواب عالية ترحب بالرياح والشمس،التي لا تفارق البيت حتى تغيب خلف الجبال الممددة كالقوافل العتيقة، لعل زهرة قد غرست شقاوة الطفولة في زوايا الحديقة، وخبأت أسرار العمر القادم تحت شجرة التين المتعملقة جاعلة من الحلم الكبير أمل حياة زاخرة بالشقاء والفرح الدفين، فكم تأملت قبر الجندي التركي المدفون في ساحة البيت، بعيداً عن أهله ومحبيه، كأنه غريب يحدثها عن وحشة الموت وقسوة الغياب وألم الوحدة.
لقد تلبستها الأسئلة صغيرة، ولاحقتها في متاهات العمر المختلفة، تمكنت زهرة من الالتحاق بالمدرسة، التي لم تكن متاحة لكثيرات من البنات في تلك الفترة المبكرة من عمر الدولة، وأنهت المرحلة الابتدائية، وقد حالت الظروف بينها وبين إكمال دراستها، فتوقف هذا المشروع عند هذه المرحلة، لكن الطموح استمر في تحليقه نحو الذرى البعيدة، لم ينكسر حلمها حين اضطرت لمغادرة المدرسة، لكن حزناً ما ألم بها، فوجدت في أعماقها عوالم رحبة من الإبداع والصراخ بشكل مختلف، فعكفت على كتابة نص مسرحي هو محاولتها الأولى الجادة في الكتابة، وكانت وقتها في سن السابعة عشر عاماً، مما يؤكد على أصالة موهبتها، وتفتقها بوقت مبكر، وأن تأخر نشر نتاجها بسبب، تكالب الأيام، وتزاحم المتعب، وقد مارست هذه المسرحية لعبة الترحال من جديد، فلقد أعجب بها مخرج شركسي فأصطحب النص المسرحي معه إلى ما كان يعرف وقتها بالإتحاد السوفيتي، ليستقر هناك بعيداً عن كاتبته.
عملت زهرة على تثقيف نفسها بنفسها، وتعرفت على عدد من أهل الفكر والثقافة، وقد دخلت عالم السياسة من خلال المثقف الشيوعي عبد الفتاح تولتسنان، وبعد حوارات طويلة وقراءات متعددة، حملت هذا الفكر الاجتماعي والسياسي، الذي كان محظوراً حينها، وقد سبب لها هذا الأمر مشاكل واجهتها بإصرار وجلد، غير أن عبد الفتاح تولتسنان غادر باكراً من أجل أفكاره ومبادئه، فكانت هذه مرحلة قاسية عليها، لكنها لم تتراجع عن ما اعتقدت به، وقد واظبت على التواصل مع رفاق تولتسنان، وكان من بين هؤلاء الشاب زهير عمر المعاني، الذي عرف بوسامته، وقدرته على إشاعة الفرح والسعادة في كل من حوله، وقد زادت الألفة بينهما، وكان الانسجام بادياً بينهما، فتزوجا وعاشا معاً فترة هادئة، وسط بيت تنافس في الأطفال والأصدقاء، والكتب التي ملأت الأرفف، وكانت والدة زهير وجدته شركسيتان، لكنها فترة لم تدم طويلا بما يكفي العمر من سكينة وطمأنينة، فما يخبؤه الدهر أدهى وأمر، وما نتمناه لا يأتي إلا فتاتاً لا يغني شيئاً.
بعد عشر سنوات من الزواج، غادرها الزوج باكراً، فوجدت نفسها عزلاء ومن حولها أربعة أطفال، وكان أصغرهم لا يتجاوز عمره السنة الواحدة، فلم تجد أمامها من مخرج متاح، إلا أن تعود للبيت الكبير الذي أحتضن طفولتها وأحلامها صغيرة، فعادت إليه مكلومة لا تلوي على شيء، كانت في ريعان الشباب، تضج بجمال الروح والوجه، لا تملك غير كبرياء النفس، ونبل الجرح المؤلم، والرغبة الصارمة في مواجهة تغول الحياة في كل مراحلها، لقد وجدت نفسها وحيدة كشجرة في وجه الريح العاتية، لم يساندها غير أمها التي لم تجد أمامها في كثير من الأحيان، سوى مبادلة بعض أغراض البيت، من أجل تأمين احتياجات البيت وساكنيه.
وقد جمعها هذا البيت مع أختها الأكبر حكمت، فكن يكسرنا ملل ليالي الشتاء الباردة، بحكايات الشركس وأحاديثهم، حيث كانت حكمت وكذلك زوجها يحفظان الكثير من ذاكرة الشركس الشعبية، وعن سوسروقة البعيدة خلف ضباب القوقاز، وقد ساعدت هذه الأحاديث في بناء مخيلة زهرة عمر الروائية، وجعلها تعيد بناء سوسروقة من جديد، وتتعايش مع ألم الهجرة، ومتعب الطريق الطويل، ولا عجب أن كل هذه الأحداث أسهمت في دفعها لكتابة روايتها الأولى، الخروج من سوسروقة التي صدرت عن دار أزمنة عام 1993م، وقد لاقت هذه الرواية صدى واسعاً في الساحة الثقافية المحلية والعربية، وقد تميزت زهرة بالإرادة والعزيمة الواضحتين، فلقد سعت إلى تعلم اللغة الإنجليزية، في المركز البريطاني في عمان، وبعد ذلك تلقت تعليماً في أعمال السكرتاريا من خلال جمعية الشابات المسيحيات.
بدأت زهرة عمر عملها في وزارة الأشغال العامة، لكنها واجهت مصاعب جديدة عندما تم فصلها لنشاطاتها السياسية، لكن ذلك لم يفت في عضدها، فالتحق بالعمل في شركة سيجما الهندسية، وكان عملاً من أجل الاستمرار في مكابدة الحياة، وتأمين ما يسد الرمق لبيتها، بعد ذلك عملت الصحافة، حيث عملت في جريدة الأخبار، وكانت تعمل على المكافأة، فلم يتم تثبيتها بسبب نشاطها السياسي، وقد انتقلت إلى مرحلة جديدة من العمل الصحفي، عندما انتقلت للعمل في وكالة الأنباء السوفيتية (نوفوستي)، وقد وفر لها هذا العمل مجالاً واسعاً من الخبرة والمعارف، لكنها عندما بلغت سن الخمسين تركت العمل وقررت التفرغ للكتابة الإبداعية والصحفية، وقد عرف عنها نهمها الكبير في القراءة، فكانت تقرأ بشكل لافت ومتواصل.
بدأت زهرة عمر العمل على روايتها الثانية، بتأمل عميق، وببطء استلزم مزيدا من الصبر والجهد،وخلال هذه الفترة بدأ المرض الخبيث ينهش جسدها بهدوء متسللاً من بين أيام العمر المتعب، فلم تهنأ حتى في شيخوختها، وكأنما نذرت للمشقة ومواجهة الألم، وكانت هذه الزهرة تصل الليل بأطراف النهار عاملة على أنجاز رواية سوسروقة خلف الضباب، وهي الرواية التي أصدرتها دار أزمنة بعد وفاة كاتبتها بعامين، فلقد أستفحل المرض بجسد زهرة عمر لكنه لم ينل من عزيمتها الأسطورية، فواجهته صابرة متحدية بصمت الجبال، حتى فارقت روحها دنيتنا في الليلة الخيرة من عام 1999م، وقد ترك رحيلها ألماً وحسرة في قلوب من عرفوها أو قرأوا كتاباتها، وبقيت في الذاكرة نعناعة الرواية الأردنية، وتينة البيت العتيق، وإيقونة المهاجرين إلى الأرض الطيبة، بقيت المرأة الجميلة الرقيقة كنسمة لا تخبو، تاركة لنا روايتين وعددا من القصص القصيرة والطويلة، وزارعة فينا صورة بهية عن التحمل الصامت والتجمل بالصبر والكبرياء.








5118 ,Amman 11183, Jordan