المتحرشون... من يوقف نزيف الأمان في الشارع العربي؟!

الرئيسية > المركز الاعلامي > الأخبار > المتحرشون... من يوقف نزيف الأمان في الشارع العربي؟!
Printer Friendly, PDF & Email

لأن الأيام التي نحياها ليست غالباً كما نتمنى.. لأن قيماً عديدة باتت جزءاً من الماضي، تراث نتشدق بكونه ماضياً، لأن معاني الرجولة والشهامة عفا عليها الدهر في زمن المسخ.
لأننا في أيام بلا قيم، تحولت الظاهرة إلى كارثة وبات التحرش جزءاً من ثقافة المجتمعات العربية وانتقلت الشكوى من السر إلى العلن حيث الداء أكبر من التجاهل والبلوى تفوق الكتمان.
التحرش.. أحرف خمسة تختزل ظاهرة باتت تؤرق البقية الباقية من عقلاء المجتمع العربي، الذين يراقبون بقلق ما أطلق عليه أحدهم ظاهرة الانفجار الجنسي في الشارع العربي والذي جعل من شوارع العديد من المدن العربية منطقة غير مأمونة للسيدات والفتيات على اختلاف أعمارهن وحظوظهن من الجمال.
عشرات المؤتمرات والدراسات تناولت الظاهرة المرعبة والنتيجة صفر كبير.. الأصوات تتعالى مطالبة بدراسة أكثر استفاضة وحلول جذرية قبل أن تتحول الظاهرة إلى انفجار كارثي لا يتحمل المجتمع عواقبه.

رعب وكتمان
التحرش.. أحرف خمسة تتراص لتصنع رعباً خاصاً محفوراً في ذاكرة العشرات والمئات من سيدات المجتمع العربي، عانين كلهن من محاولات مشوهة لإثبات الرجولة.. وفضلت معظمهن كتمان الألم والإحساس بالقهر في جوفهن حتى لو أدى الأمر لإصابتهن بالأمراض النفسية والجسدية المختلفة.
في السطور التالية محاولة للغوص عميقاً في خبايا تلك الظاهرة من خلال عدد من ضحاياها تتفاوت أعمارهن وخبراتهن السيئة مع المتحرشين.. الطريف والمبكي في آن معاً أن كلهن أجمعن على عدم الفهم فلا مبرر ولا طائل من تلك الأفعال ــ من وجهة نظرهن طبعاً ــ وفي سطور لاحقة سنلتقي عدداً من المهتمين بالظاهرة.. علماء نفس وأساتذة اجتماع، رجال دين وقانون.. مهمومون بمستقبل هذا الوطن.. لعل لديهم حلولاً أو أفكاراً!!.
بداية رحلتنا كانت في الجامعة.. وتحديداً الجامعة الأميركية بالقاهرة، حيث التقينا عدداً من فتيات الجامعة بينهن المحجبة والمنتقبة، وصولاً إلى التي ترتدي زياً متحرراً بدون أكمام، المفاجأة الأولى كانت في استعداد كل منهن للتحدث واشتراكهن في رفض الكشف عن أسمائهن الكاملة، البنات السبع اللاتي جمعت بينهن إحدى موائد الكافتيريا مررن بالتجربة المؤلمة وأكدن لي أن كل زميلاتهن تعرضن لها.
قالت علا التي ترتدي الكات في البداية كنت أخاف أن أخبر صديقاتي بأني تعرضت للتحرش إلى أن اكتشفت أن كل سيدة مرت بميدان التحرير ــ أكبر ميادين القاهرة وحيث يقع المقر القديم للجامعة الأميركية ــ كلهن تعرضن لمحاولة تحرش أو أكثر.
وتواصل علا حدثت الكارثة معي في ليلة شتوية، لم يكن الوقت متأخراً، كنت خارجة من الجامعة حوالى الساعة السابعة وتوجهت كعادتي إلى محطة المترو، وعلى السلم الهابط إلى حيث المترو فوجئت بمن يأتي من خلفي مسرعاً وبمجرد أن التفت إذا به ولد لا يزيد عن الخامسة عشرة، مدّ يده محاولاً إمساك صدري، قاومت يده ففر هارباً وقبل أن يسمع استغاثتي أحد.
وتضيف في تلك الليلة عدت إلى البيت منهارة تقريباً، وظللت في حجرتي لأيام ولأيام عديدة تالية لم أستطع النوم إلا بالمهدئات، واحتجت لوقت طويل قبل أن أستعيد قدرتي على النزول إلى الشارع والتعامل مع الناس، ورغم مرور أكثر من عام إلا أن الواقعة محفورة بتفاصيلها في مخيلتي وحتى هذه اللحظة أحرص على أن أحمل في حقيبة يدي دبوس معدني كبير الحجم لاستخدامه وقت اللزوم عملاً بنصيحة إحدى الصديقات.

سرطان ينهش بلا تفرقة
وينتقل الحوار بسلاسة إلى سماء التي ترتدي نقاباً أنيقاً لا يظهر من ملامحه إلا عينين يمتزج بريقهما بالألم وهي تقول للأسف أصبح التحرش في مجتمعنا كالسرطان ينهش في كل الأجساد بلا تفرقة، وحتى النقاب الذي أرتديه منذ ثلاثة أعوام لم يحل دون تعرضي لكل أنواع المضايقات.. هل تصدق أن أحدهم سار خلفي ذات مرة وهو يقول ما تقلع الخيمة يا جميل!! وأحمد الله أن شاباً شهماً تدخل ذات مرة لينقذني من محاولة تحرش بالأيدي، كادت تحدث لي قرب سور جامعة القاهرة!! وللأسف من بعض طلابها، وحدث هذا أثناء ذهابي إلى الجامعة للقاء صديقة في كلية دار العلوم!!.
تتواصل الحكايات ولا تتشابه إلا في كونها تدل في إجماليتها على نفوس دنيئة تستمتع بإيذاء الأنثى الضعيفة لا بالجنس في حد ذاته.
تقول نشوى مظهري عادي كما ترى وأنا أميل إلى السمنة ووجهي خال من المساحيق في معظم الأوقات وكل هذا لم يرحمني من محاولة تحرش مزعجة في ميكروباص كنت أستقله إلى منزلي، كنت أجلس إلى جوار سيدة في الكرسي الواقع في منتصف السيارة وفجأة شعرت بيد تمتد بين الكراسي مقتربة من ظهري فالتفت مفزوعة لأجد ابتسامة لزجة على وجه الرجل الجالس وحده في المقعد الخلفي والذي كان في الخمسين من عمره على الأقل، ولأني حادة الطباع صرخت فيه وطالبته بأن يحترم نفسه وسنه ويبدو أنه فوجئ بردة فعلي فطلب من السائق أن يتوقف ونزل مسرعاً، ورغم أني جابهت الموقف بشجاعة إلا أني وبمجرد وصولي إلى غرفتي انهرت باكية ولم أستطع تناول طعامي ليومين كاملين.
حكاية أخرى فيها بعض الطرافة إذا كان من الممكن اعتبارها كذلك، إذ ظل أحد الشباب يطارد غادة تليفونياً طالباً منها بأدب شديد أن تقابله ويخبرها أنه إنسان مؤدب ويريد لها الخير، وعندما أصرت على الرفض وهددته بأن تضع الهاتف تحت المراقبة تحوّل إلى إنسان آخر وبدأ يستخدم ألفاظاً خارجة ويهددها بأنه سيترصدها وأنه يعرف طريقها الأمر الذي دفعها لتغيير خط سيرها المعتاد ولكنها حمدت الله في النهاية على أن مشكلتها اقتصرت على التحرش اللفظي فقط.
بالابتسامة المحملة بطعم المرار تواجه البنات أزماتهن وبتبادل القصص والخبرات يحاولن مواجهة السعار الجنسي الذي يحيط بهن والذي جعل بعضهن يفتقدن المعاكسة اللطيفة كما تقول وفاء أحياناً أتابع الأفلام القديمة الأبيض والأسود وأتحسر على واقعنا، فأحمد رمزي الذي كان نموذجاً للولد الشقي كان يطارد ماجدة ويسمعها كلاماً جميلاً من نوعية يا قمر أو غيره من الكلام اللطيف بينما الآن أصبحت البجاحة هي سيدة الموقف، والشبان وحتى الكبار لا يتورعون عن استخدام الألفاظ البذيئة والحركات القذرة بالأصابع وصدقني لولا أني أحتقر من يمارس هذه السلوكيات لسألته ما الذي تتوقعه كرد فعل لمثل هذه السلوكيات.

بات أخطر وأكثر انتشاراً
الكاتب السينمائي خالد دياب الذي سبق وقدم فيلم ألف مبروك وشارك في فيلم الجزيرة يستعد لإخراج فيلم من تأليفه عن ظاهرة التحرش الجنسي، يقول إن الأمر بات أخطر وأكثر انتشاراً من أن نتجاهله، وما دفعني للعمل على هذا الفيلم أني كنت شاهد عيان على الواقعة التي عرفت إعلامياً بواقعة التحرش الجماعي والتي شهدتها منطقة وسط البلد قبل عامين تقريباً أمام إحدى السينمات، وقد هزتني تلك اللحظة بشدة وتخيلت مشاعر فتيات تتراوح أعمارهن بين السابعة عشرة والثالثة والعشرين كل جريمتهن أنهن حاولن.

أزمة أخلاقية
ومن السينما إلى ناشطات في مجال المرأة تمثل لهن قضية التحرش هماً مزدوجاً بوصفهن نساء وأمهات وأخوات أولاً، وثانياً بوصفهن مدافعات عن حقوق بنات جنسهن.
تقول المحامية الشهيرة نهاد إبراهيم مديرة المركز المصري لحقوق المرأة إن التحرش الجنسي يعبّر عن أزمة أخلاقية ونظرة دونية للمرأة.
وتضيف إن التحرش الجنسي اتخذ أشكالاً جديدة في ظل الإمكانيات المتطورة، منها الهواتف المحمولة والرسائل الالكترونية، موضحة أن علماء النفس والاجتماع يرون أن الفقر والبطالة والأوضاع الاجتماعية لها دور كبير في التحرش الجنسي، ولكن الواقع يظهر أن التحرش الجنسي منتشر في أماكن العمل حتى في المستويات المرتفعة منه.
وشددت على أن هناك قصوراً أمنياً ملحوظاً في الشارع مما يتطلب توفير مناخ آمن للفتيات والنساء وتنفيذ عقوبات رادعة بحق مرتكبي جرائم التحرش الجنسي، مطالبة بتزويد أقسام الشرطة بخطوط ساخنة لتلقي شكاوى النساء والفتيات لضابطات الشرطة.
وذكرت أن المركز يناقش حالياً مشروع قانون جديد لوقف التحرش الجنسي يتضمن تعريفاً دقيقاً لمعنى التحرش باعتباره كل سلوك غير لائق له طبيعة جنسية يضايق المرأة أو يتسبب في شعورها بعدم الأمان.
وتتابع أجرى المركز عدة دراسات حول هذه الظاهرة كشفت عن تعرض النساء المحجبات للتحرش بنفس النسبة التي تتعرض بها غير المحجبات، الأمر الذي يستبعد تهمة أن المرأة قد تكون هي السبب في استفزاز المتحرش بملابسها!!

تحرش في الأماكن الراقية
وترصد الدكتورة فايزة النجار أستاذة الطب النفسي بجامعة القاهرة وجهاً آخر للأزمة قائلة أشرفت بنفسي على دراسة حالات بعض ضحايا التحرش الجنسي، واكتشفت أن المتحرشين موجودون في الأماكن الراقية وليست الشعبية فقط كما كنا نعتقد، والمتحرش إنسان مختل نفسياً ويعاني من رغبة في إيذاء من يعتقد أنهم أضعف منه ولا علاقة للأمر بتعليمه أو مستواه الاجتماعي. وترى الدكتورة فايزة أن تغليظ العقوبة القانونية على مرتكب فعل التحرش ليس الوسيلة المثلى للتعامل مع الظاهرة، فيجب إضافة إلى القانون وجود خطط طويلة المدى لتحويل الطاقة الموجودة لدى هؤلاء الشباب من طاقة سلبية مدمرة إلى طاقة تتفجر بشكل إيجابي في مجالات الرياضة والهوايات المختلفة.
وشددت على أن من يرتكب مثل هذا الفعل هو إنسان محبط من داخله لا يشعر بالانتماء إلى وطنه ولديه رؤية سوداوية للمستقبل.
الدكتور شحادة عبد الله أستاذ الدراسات الإسلامية رفض اعتبار أن قضية التحرش الجنسي سببها نقص الوعي الديني قائلاً هو نتاج الواقع الذي تعيشه حيث تحوّل المجتمع إلى غابة يأكل القوى فيها الضعيف وسلم القيم انهار تماماً.
وتابع منفعلاً إذا كنا متفقين على أن التحرش الجنسي كارثة اجتماعية فلا بد أن نواجهها بما تستحقه وأن تتكاتف مؤسسات المجتمع الدينية والقانونية وقبلهما التعليمية لمواجهة آثار تلك الكارثة لأن تعليم القيم السليمة لأبنائنا هو العلاج الوحيد الناجح وأعني بالتعليم هنا الجزء الذي تناسيناه وهو الخاص بالتربية، فالوزارة التي كان اسمها التربية والتعليم مشغولة فقط بامتحانات الثانوية العامة وحشر أكبر كم من المعلومات في أذهان الطلبة وتتناسى دورها التربوي ولا أعفي الأسرة من المسؤولية لأنها المنوط بها غرس القيم والأخلاقيات في نفوس الأطفال الذين سرعان ما يكبرون ليصبحوا وقوداً لحضارة الأمة أو لدمارها.

أخيراً
مما سبق نستنتج أن التحرش هو نتيجة طبيعية للمشكلات والأزمات الاجتماعية التي تفتك بمجتمعاتنا التي تتلوى على نيران التناقضات الأخلاقية، وإذا كان لا بد من خطوة إجرائية ناجعة تحدّ من تفاقم هذه الظاهرة لا بد من العمل على تعزيز دور الأسرة والقيم التربوية في المؤسسة التعليمية، والعمل على مكافحة البطالة وإيجاد الحلول لكافة مشكلات الشباب.(جهينه)