المجتمع المدني والمشاركة السياسية للنساء في الأردن

الرئيسية > المركز الاعلامي > الأخبار > المجتمع المدني والمشاركة السياسية للنساء في الأردن
Printer Friendly, PDF & Email

 قراءة تاريخيه 1921 - 1958
 

تجاوزت المتغيرات السياسية والفكرية في العالم خطاب التحرر والمساواة التقليدي الذي انطلق من المسلّمة التالية
1- المرأة نصف المجتمع النساء شقائق الرجال، هذا الخطاب الذي أبقى النساء غائبات ومغيبات، وشد إشكاليه المرأة إلى مركزيه الخطاب الذكوري الداعم والمدعوم من المجتمع الأبوي، الذي بدا بالتخلخل بفعل التحديث والحداثة الوافدة، وجعل المجتمع الأردني مجتمعاً انتقالياً يراوح ما بين الحداثة والتقليد، حيث غيرت القيم والمعايير الجديدة من صورة المرأة النمطية، فلم تعد نصف المجتمع فقط، لتنحصر أهميتها في قوتها العددية، بل هي منتج المجتمع بيولوجياً وثقافياً، بالإنجاب والتربية وهي في الأردن أهم الموارد الكامنة في بلدٍ لا تتوافر فيه إلا الموارد البشرية، وقد ساعدها {المرأة} على التقدم قدرة التقنية الحديثة على إلغاء التقسيم الاجتماعي قوة العمل القائمة على أساس الجنس والقوه الجسمية.

لقد بقي خطاب التحرر العربي منذ عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر خطاباً ذكورياً لم يتورط في إشكاليه تحرير المرأة إلا ملحقاً إياها بقضايا التحرر الوطني، والنهوض الشامل، وانحصر دورها في تنشئه الجيل الصالح لتحقيق الأماني القومية. وظلت مستلبه ومغتربة حتى عن خطاب تحررها وظلت تعيش من اجل الآخرين لا من اجل ذاتها.

أما معرفياً فلم يتجاوز خطاب تحررها آفاق التحرر في القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين أي الدعوة لتعليمها وتهذبيها، ولا باس من عملٍ مشروطٍ، لتكون قادرة على خدمة بيتها وتربيه أبنائها وإرضاء زوجها؟!

وظل الخطاب يتكلم نيابة عن المرأة سواء الخطاب السلفي أو الخطاب الليبرالي، إلا في حالات استثنائية، منها لحظه قاسم أمين التي ولدت ردة فعل أصولية أكثر مما راكمت من التحرر الاجتماعي؟! وظلت حقوقها محصورة بالمستوى الوجودي والإنساني ،ولم تتجاوز مرجعيات تحررها النصوص الدينية الإسلامية أو مرجعيات عصر التنوير في القرن الثامن عشر.
أما حقوقها السياسية والاجتماعية، فظلت غائبة بغياب الاستقلال السياسي في مرحله النضال الوطني، للتحرر من الهيمنة الأجنبية, وبقي تحررها مشروطاً بالوعي الذاتي أي بتحويل علاقتها بنفسها من كائن بذاته إلى كائن لذاته تتمثل بكونها كائناً خاصا ًومستقلاً. حتى ظهرت القيادات والحركات النسائية والإعلام النسوي وتكلمت المرأة مباشرة نيابة عن ذاتها، وطرحت قضاياها ومطالبها السياسية كحقوق لا يمكن التنازل عنها أو تعويضها.

ولا يمكن للنساء الارتفاع إلى مستوى العمل الجماعي والتنظيم، لتحقيق أهدافهن في المشاركة السياسية إلا بتأليف الجماعات النسوية المستقلة، وانخراطهن في منظمات المجتمع المدني القائمة.
والمقصود بالجماعة النسويه مجموعه جندريه ذات بنيه موضوعيه ترتبط بهيكل تنظيمي، ويوحدها إحساس بهويه مشتركه أساسها العمل المشترك، ضمن علاقات وأدوات ومطالب محدده. أما الفئة النسائية فهي مفهوم منهجي ذاتي يطرحه الباحث لغايات الدراسة والتصنيف.
لقد أثبتت المسوح الإحصائية والبيانات الديموغرافية والدراسات الإجرائية إن غالبيه النساء في الأردن ما زلن في أدنى درجات السلم الاجتماعي من حيث الدور، والمكانة، والمشاركة الاجتماعية والسياسية، خاصة في الأماكن الطرفية والهامشية خارج العاصمة عمان، وموقعهن في التنمية البشرية والسياسية موقع الموضوع التنموي الذي يتطلب الانشغال به. فما زلن ضحايا للعادات و التقاليد الموروثة حتى فقدن الرغبة بالتحرر الذاتي والقدرة على المبادرة بتنظيم أنفسهن، أو الانتظام في جماعات نسويه خاصة، للمطالبة بحقوقهن الإنسانية. وهي الشروط المؤسسة منطقياً وواقعياً للتنمية السياسية والمشاركة. ومن هنا تمتلك إشكاليه المرأة السياسية خصوصية تنموية تتعلق بكونها موضوعاً تنموياً وجندر بحاجه إلى تمكين، وذات فاعله في سياق الموارد البشرية، وطاقه فكريه لتقديم الحلول، بيئة إنسانيه محفزه على الإبداع والحس الجمالي، وأخيراً فهي ذات إنسانيه مؤهله لتحمل مسؤولية نفسها ومجتمعها، وصناعة القرار بمشاركه الرجل، بدلاً من مشاركتها للرجل كملحق في صناعه قراره الخاص.

أما التمكين مفهوماً ومنهجاً فهو كما نصت أدبيات الأمم المتحدة العمل الجماعي في المجموعات المقهورة أو المضطهدة لتخطي أو مواجهه العقبات التي تعترض البشر أو تسلب حقوقهم. وهو هدف أساسي لتقدم المرأة. ويمتلك التمكين في سياق بحثنا أهميه بالغه، فهو الاستعانة بإمكانيات المرأة نفسها لإجراء التحويل اللازم في البنى الاجتماعية والسياسية، لدمج المرأة بالتنمية، وجعلها على درجة أفضل مما هي فيه كمنتفعة، أي سلبيه من خلال إكسابها شروط التأهيل والتعليم اللازمين، للقيام بأدوارها المطلوبة منها. أي تطبيق السلوك المتوقع منها معياريا ًوعملياً. وهناك علاقة تبادلية بين مكانه المرأة ودورها في التنمية السياسية. فكلما ارتفعت مكانتها الاجتماعية والاقتصادية بالتعليم العالي والمنصب المتميز والدخل العالي، كلما زاد اهتمامها ومشاركتها في العمل العام، وارتفعت طموحاتها التي تجد في منظمات المجتمع المدني وسيله متوقعةً لتحقيق ذلك.


أما المجتمع المدني فيُعرّف بأنه مجموعه الأحزاب والمؤسسات والتنظيمات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية المستقلة التي يقيمها الأفراد والجماعات بطريقه طوعيه، وخال من التنظيم الهيراركي (التراتب العمودي) بعيداً عن الضغط والإكراه والتأثير المحتمل من  المجتمع السياسي (الدولة ومؤسساتها الرسمية) وتتمثل هيئات المجتمع المدني في النقابات المهنية والعمالية، والاتحادات الطلابية والنسائية، والمنتديات الفكرية، والروابط، والجمعيات الخيرية، والاتحادات الاقتصادية لرجال الأعمال والمثقفين والتجار والصناعيين لرعاية مصالح المنتمين لتلك المؤسسات .
إلا أن هذا التعريف المستوحى من التجربة الليبرالية الغربية وخاصة الأوروبية يخفي إشكالات مغايرة في التطبيق الإجرائي على الأردن، فالمجتمع المدني الأوروبي نشأ وتطور نقيضاً للمجتمع الطبيعي والدولة الشمولية والكنيسة، ولوقف التدخل السافر في حياة الفرد والجماعات، ورفض رسالة الكاثوليكية لدمج الفرد ومنحه الخلاص، بشرط الهيمنة عليه وعلى حياته، ليصبح كائناً دينياً بوعي أخروي، في ظل دوله رعوية تفصل بين الحكام والمحكومين. وتعتبرهم رعايا لا مواطنين، ولا يستحقون من الحقوق إلا الأمن والحماية.
وبالتالي فقد كانت أهم مظاهر النهضة والتنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر ظهور المدن والتمدن والطبقة الوسطى وفئات المثقفين (الانتلجنسيا)، وأخيراً المجتمع المدني بالتمدن والتحضر في المدن، وهي قاعدة العمل السياسي والممارسة الديمقراطية والمواطنة المرتبطة بالتحديث والاستقرار. وأخيراً نمو السياسة لإدارة الصراع وتضارب الاتجاهات الفكرية والسياسية.

وفي هذا السياق ظل النسق الاجتماعي الأردني إبّان تأسيس الإمارة تحت سيطرة نخبة ارستقراطيه قادرة على تذويب المصالح الفرعية والتناقضات القائمة لمصلحتها، ولذلك فلا مصالح للمهمشين خاصة للنساء ولا ضرورة للتمايز أو لادوار جندريه مخالفة ما دامت أسس الوعي التنظيمي والذاتي للنساء غائبة عن تصور النساء والرجال معا خارج التقييم الجندري التقليدي بين مجال خاص للنساء ومجال عام للرجال.

وما دام الأمر كذلك، فلم يكن أمام النساء المتعلمات والواعيات بنات النخبة اللواتي امتلكن وعياً ذاتياً إلا العمل والانخراط في الأعمال الخيرية والاجتماعية والتطوعية، بعيدا عن السياسة التي فقدت فيها المرأة مسوغات وجودها، ولهذا السبب فقد واجهت النساء النشيطات اللواتي اقتربن من العمل السياسي الصد والمضايقة.

ففي المرحلة الأولى من تاريخ الحركة النسائية ظل تطور مؤسسات المجتمع السياسي أسرع من تطور المجتمع المدني وعرفت في تلك الفترة جمعيات نسائية قامت وانطفأت بسرعة في الفترة الممتدة بين 1944- 1945 كجمعية التضامن وجمعية اليقظة النسائية، وشهدت تلك الفترة حراكاً نسائياً تمثل بعقد الندوات الهادفة لرفع مستوى المرأة، الصحي والتعليمي، وبقي الاهتمام الأساسي منصباً على النساء كأمهات وربات بيوت بعيداً عن التفكير بإحداث تحويل نوعي في وضع المرأة الأردنية سياسياً واجتماعياً. أو التقدم بمطالب تشريعيه وقانونية لإنصاف المرأة.
وفرضت حرب فلسطين سنة 1948 على الحركة النسائية الأردنية الانخراط الفردي والجماعي لتقديم الرعاية الإنسانية والإغاثة والعناية الصحية للمتضررين، وتشكلت في أوائل الخمسينيات جمعية الشابات المسيحيات، وتحولت جمعية المرأة الفلسطينية التي نشطت في فلسطين قبل 1948 إلى جمعية المرأة العربية، والتي بقيت ملتزمة بالعمل النسائي الخيري والإنساني. إلا أن التأثيرات السياسية والأيديولوجية والسكانية لنكبة 1948 ووحدة الضفتين، قد ضاعفت الاهتمام بالسياسية، وضخمت حجم السكان في المدن وارتفعت وتيرة الحراك السياسي والاجتماعي النسوي وتم تسييس الأنشطة وأعمال المجتمع المدني بل ونشأت نتيجة لذلك الأحزاب السياسية الايديولوجيه، وفتحت تلك الأحزاب أبوابها للنساء اللواتي شاركن في العمل السياسي مباشرة.

وتأسس في أثناء ذلك اتحاد المرأة العربية 1761954 ويستدل من قائمة الأهداف والنشاطات التي وضعها الاتحاد نصب عينيه لتنفيذها شمولية الأنشطة والأهداف والانخراط المباشر في العمل السياسي وكانت أهم مطالب الاتحاد مكافحة أمية النساء، رفع المستوى الاجتماعي للمرأة الأردنية، تنمية أواصر الصداقة بين النساء الأردنيات والنساء في شتى أنحاء العالم وكان من أهم مظاهر المشاركة السياسية التي حققها الاتحاد ما يلي


رفع المطالب السياسية للحكومة الأردنية مثل حق النساء بالترشيح والانتخاب للهيئات البلدية والبرلمانية، والمطالبة بتعديل قانون الأحوال الشخصية المتحيز للرجل، والانخراط في المظاهرات والاعتصامات السياسية، والعمل على رفع مستوى الوعي الاجتماعي والسياسي للنساء بشكل عام.


ورفعت المذكرات السياسية والاحتجاجات لرئاسة الوزراء والبرلمان، وكان أهم اختراق سياسي حققته النساء في هذه الفترة هو الاعتراف بحق المرأة الأردنية بالانتخاب من حيث المبدأ، إلا أن السلطات الأردنية اشترطت حصر الانتخاب بالنساء المتعلمات مما أثار حفيظة النساء، ورفع وتيرة الحراك النسائي سياسياً واجتماعياً، ورفع وعيهن بالتنظيم والعمل الجماعي، واستشعرن قوتهن الجماعية في مؤسسات المجتمع المدني في الضغط والتأثير من خلال رفض استثناء الأميات أسوة بالرجال الأميين، الذين يحق لهم الانتخاب! وخصص اتحاد المرأة أسبوعاً احتجاجياً سماه أسبوع المرأة لمناقشة استراتجيات الرد وخرجت مداولات النساء بالقرارات التالية


العمل على مساواة المرأة والرجل في الحقوق السياسية التمثيلية والبلدية، والمساواة بين الرجل والمرأة في جميع مراحل التعليم والاستخدام والرواتب، وحماية حقوق المرأة، وتجنب تفسخ الأسرة وغيرها.

وعقدت النساء مهرجاناً خطابياً في 521956 واختتم المهرجان بإرسال البرقيات النسائية إلى رئيس مجلس النواب ورئاسة الوزراء للمطالبة بالحقوق السياسية، ووضع الآليات اللازمة لتطبيقها وإنصاف النساء.

لقد تسارعت وتيرة نمو وتعقيد المجتمع المدني الأردني، فانضمت عناصر جديدة وقوى اجتماعية فاعله من الطبقة الوسطى والمخيمات، ونمت النقابات وتوسعت عضويتها، وانخرطت الجمعيات الاجتماعية الخيرية بالعمل السياسي، وواجه النسق السياسي بيئة سياسية مضطربة تفتقر للاستقرار. فانبرت السلطة التنفيذية  لاحتواء الموقف، والحفاظ على ذاتها، وشنت هجومها المعاكس لاسترجاع زمام المبادرة، ووقف المطالب السياسية، واستفادت من دعم الاتجاهات المحافظة، التي بدأت تفقد حظوتها بظهور نخب جديدة من الطبقة الوسطى، عن طريق التعليم، والنمو الاقتصادي، وانتشار الأفكار التقدمية. وأثبتت التفاعلات السياسية اللاحقة أن المجتمع المدني رغم النمو والقوة الخارجية إلا أنه ما زال بنيوياً هشاً وأبوياً، ومازالت موازين القوى الحقيقية تميل لصالح المجتمع الأهلي والقوى الاجتماعية وبناها التقليدية، ومازالت المرأة أسيرة الصور النمطية، والأدوار التي رسمها المجتمع التقليدي، وبعيده كل البعد حتى عن مصدر صناعة القرار في الأحزاب التي انتمت إليها وحرّكتها. وبالتالي فلم يكن هناك مجتمع مدني مستقل وقادر على الدفاع عن نفسه، وعن النساء، وكن فيه مجرد عضوات تابعات، وليس شريكات أو قياديات إلا فيما ندر. كما نافست المؤسسات الأهلية من روابط عشائرية ودواوين وجمعيات قرابية تقليديه مؤسسات المجتمع المدني على صعيد العضوية والمنافع، وتغلبت عليه عندما بدأت العشيرة بالتحول من وحدة قرابية إلى وحدة سياسية ذكورية تلحق المرأة بمصالح الرجل والعشيرة، ولم يبق للمرأة من مشاركة سياسية إلا دعم خيارات العشيرة بمرشحيها في الانتخابات البلدية والبرلمانية. وبدأت العشائر تعي ذاتها وأهميتها ومصالحها، بفعل التحول الاجتماعي وتعليم الأبناء والرعاية الرسمية، وأدى الحراك السياسي الشديد في ذلك الوقت ومطالب المشاركة السياسية إلى ارتفاع مستويات التغير الاجتماعي والسياسي، الذي جرّ مشاكله الخاصة مع دخول فئات شعبيه حلبه التنافس والصراع، مما تطلب توزيع جديد لمصادر القوة، ولم تكن المؤسسات القائمة مستعدة للقبول به، فتم وقف العملية السياسية برمتها، وحظر الأحزاب ومنظمات النساء، وتقويض أسس المجتمع المدني الذي استسلم للأمر الواقع، وأثبتت مؤسساته أنها مؤسسات نخبوية متركزة في المدن، ولكنها في جوهرها خاضعة للقيم الريفية والبدوية. وتم تفعيل القانون العشائري الصادر سنة 1924 لتنظيم المجتمع وعلاقاته، ولذلك ((لم يترك القانون المدني بصماته وتأثيراته المتوقعة على الأفراد تربوياً أو سلوكياً باحترام النظام والخضوع للقانون)) الأمر الذي أعاد للقيم التقليدية العشائرية قيمتها واعتبارها على حساب قيم الحداثة والتحديث.
أكاديمي ومدير تحرير مجلة عمان