رويدة الهرش .. «معاقة حركيا» تتحدى الصعاب

Printer Friendly, PDF & Email
image

يعانون ويعانون ولا احد يسمع معاناتهم.. ويصرخون بأعلى صوتهم ليطالبوا بحق من حقوقهم ، ولكنهم كمن يصرخ في وادْ سحيق لا مجيب له.لقد أسمعت إذ ناديت حيا.. ولكن لا حياة لمن تنادي.

مجموعة من الفتيات من ذوي الاحتياجات الخاصة جلسن على مقاعد الدراسة في مدرسة أنشئت لأجلهن عام 1993 لتعليمهن تعليما عاديا مثل باقي الطلاب الذي أنعم الله عليهم بالصحة ، فكانت خطوة أثلجت صدور أهالي هؤلاء الفتيات من ذوي الاحتياجات الخاصة ، حيث بدأن حياتهن العلمية بحب وشغف كبيرين ، فتقدمن صفا بعد صف ، حتى أنهين الصف الثامن ، وهنا كانت الصدمة الكبيرة لهن.. لايوجد في المدرسة صفوف أعلى من الثامن لتكملة تعليمهن ، وتم إقفال باب التعليم في وجوههن وتدمير مستقبلهن التعليمي بعد رفض وزارة التربية والتعليم فتح صفوف عليا لهن في المدرسة التي درسن بها وتعودن عليها. فعُدن الى بيوتهن يعانين قسوة الايام وظلم المسؤولين عن هذا الشأن ويسلمن أمرهن لله ، فمضى العمر بهن سنة وراء سنة ، وعندما تم إفتتاح الصفوف التي جاهدن من أجل فتحها بعد خمس سنوات من إنقطاعهن عن الدراسة ، أقفلت المدرسة أبوابها أمام طموحهن بحجة ان أعمارهن تجاوزت المسموح به.

هذه بداية حكاية لمجموعة من الفتيات من ذوي الاحتياجات الخاصة إطلعنا عليها عن قرب من خلال إحدى هؤلاء الفتيات اللواتي شدتنا قصتها فأحببنا ان ننقلها بكل صدق فلربما أنصفناها هي ورفيقاتها ونشلناهن من براثن الجهل.. وإليكم القصة

بداية المأساة

حانت ساعة ولادتها في 26 آب 1985 ، ولكنها تعسرت ، فلجأ الطبيب حينها للقيام بعملية شفط للمولودة وتم إخراجها. وأدخلت السعادة الى قلوب الأهل جميعا بقدومها الى هذه الدنيا.

سارت حياة هذه الطفلة طبيعيا ولكن كان هناك أمر سييء ينتظرها في المستقبل القريب. تخطت طفلتنا البريئة السنة الاولى من عمرها ، ثم الثانية ، ولم تمش كباقي الاطفال في عمرها ، وظن الاهل ان هذا طبيعيا وربما فقط تأخُر في المشي.. وستمشي مع مرور الايام. ولكن الصدمة كانت ذا وقع كبير على الجميع عندما عرضوها على الاطباء والذين أكدوا لهم بأن إبنتهم لن تستطيع المشي أبدا ولا حتى الكلام.

دخل الوالدان في حالة صدمة استمرت وقتا طويلا ، لكن ليس بيدهم اي حل لهذه المصيبة غير التوجه الى الله والدعاء بأن يشفي فلذة كبدهم وتصبح مثل بقية أقرانها. ولم يستسلموا للحزن بل قدموا لها الرعاية والعناية أكثر من اشقائها ، وتم ادخالها الروضة في سن 5 سنوات للتواصل مع الاطفال وتأخذ حقها في التعليم ، وهناك اكتشفوا ان رويدة تعاني من عدم قدرتها على إستخدام يديها أو الكلام بشكل سليم ، فتم تحويلها للطبيب حيث أخبرهم بأن إبنتهم تعاني من شلل في يدها اليسرى والقدم اليسرى وتم تصنيفه بأنه شلل نصفي نتيجة خطأ اثناء عملية الولادة.

انسانة ذكية

رويدة حسين الهرش ، فتاة مضى من عمرها ثلاثة وعشرون عاما قضتها بين مراكز رعاية المصابين بالشلل الدماغي وهي ليس لديها هذا المرض بعد ان ضمتها أسوار مدرسة حتى الصف الثامن ثم أغلقت أبوابها في وجهها هي وبقية رفقائها نتيجة عدم وجود صفوف أعلى يكملون بها تعليمهم.

إنسانة ذكية ولديها قدرات كبيرة على التعلم.. الدستور إلتقتها فكان هذا اللقاء

بعد إكتشاف وجود شلل لديك ماذا حدث معك؟

- راجع والدي العديد من الاطباء للوقوف على حالتي الصحية وما أعاني منه ، ثم تم ادخالي مركزا للتعليم المهني تابع لجمعية الشابات المسلمات ، وهناك نصحونا بالذهاب الى مركز لتشخيص حالتي حيث قالوا لوالدي إبنتك ذكية جدا ونحن نعلمها فقط الاحرف وتجميع الكلمات والجُمل وليس مثل تعليم المدرسة.

بعد إجراء التشخيص للقدرات العقلية لك ، ماذا حدث؟

- تم تحويلي لهذا المركز وهناك وجدوا ان قدراتي العقلية جيدة وكان عمري حينها حوالي 8 سنوات حيث تم ادخالي مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة في منطقة الشميساني الذين يتلقون تعليما عاديا.

استمريت في الدراسة من الصف الاول حتى الثامن الاساسي في المدرسة الملحقة بمدرسة حكومية (مدرسة الشميساني) ، وأقفل باب العلم أمامنا كون المدرسة لا يوجد فيها صفوف أعلى من الصف الثامن ، فتركنا المدرسة والدموع تملأ أعيننا على ضياع مستقبلنا التعليمي.

هل إنتهيتم الى هنا ، أم انكم طالبتم بإنصافكم؟

- لا لم نستسلم ، وتقدم أهالينا بطلب لوزير التربية آنذاك وكنت أبلغ من العمر 14 سنة لكي يقوم بفتح صف تاسع تابع في المدرسة الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة ولكنه لم يوافق على ذلك ، وقال لأهلي أنني أستطيع ان ألتحق بمدرسة عادية ، وهذا طبعا غير ممكن كوني من ذوي الاحتياجات الخاصة وقدراتي الحركية محدودة ، وايضا لا أستطيع ذلك كوني منذ الصف الاول حتى الثامن مع زميلاتي اللواتي يعانين من نفس الاعاقة في صف واحد ، وقد تعودنا جميعا على بعضنا البعض ، وكان الاجدى بوزارة التربية ان تفتح الصف التاسع رحمة بنا لكن لم يتم ذلك.

ماذا حدث بعد ذلك.. وماذا فعلتً لتكملة دراستك؟

- اصابني احباط وصدمة شديدة ، وانقطعت عن الدراسة من عام 2005 حتى عام 2010 ، وكان عمري حينها 23 سنة ، ثم سمعت انه تم افتتاح صف تاسع وعاشر لذوي الاحتياجات الخاصة في نفس المدرسة ولم يخبرونا نحن الطالبات اللواتي جاهدنا من أجل ذلك بافتتاح الصفين. وعندما زرتهم بعد سماعي الخبر تحججوا بأنهم اتصلوا بي ولم يجدوا اي مجيب.

حسنا.. هل تم تسجيلك لكي تتابعي دراستك؟

- عندما ذهبت الى المدرسة ، ودخلت الى الصفين الجديدين لاكتشاف الوضع ، فوجدت ان الصف التاسع ليس فيه غير 4 طلاب والصف العاشر ثلاث طلاب. وعندما اردت التسجيل لتكملة دراستي تم رفض طلبي من قبل المديرة واخبرتني بأنني كبيرة في العمر وبأن الامر في يد مدير التربية والتعليم الخاص. فذهب شقيقي الى مدير التربية وشرح له كل شيء عن حالتي وما حدث ، فرفض عودتي للمدرسة بحجة ان عمري من عمر المعلمة أي كبيرة.

فاستسلمت لهذا الحكم القاسي وحصلت على ورقة من مديرية التعليم الخاص لقبولي في التعليم المنزلي في الصف التاسع وها انا أكمل تعليمي الذي هو من حقوقي في المنزل من قبل معلمة خاصة بعد ان جار عليَّ التعليم الخاص بحرماني من تكملة تعليمي في المدرسة التي تعودت عليها.

هل التعليم المنزلي يفي بحلمك في تكميل تعليمك؟

- لا.. فأنا أتمنى ان يتم إلحاقي في مدرسة أكمل فيها تعليمي حتى الثانوية العامة فنحن من حقنا ان نتعلم ، ومن حقنا ان يوفر لنا المسؤولين كل السبل الكفيلة والميسرة لنا للحصول على هذا الحق ، ويجب ان يتم مراعاتنا أكثر من غيرنا ، حتى زميلاتي اللواتي قدًّر لهن ان يكملن في المدرسة يتساءلن بعد الصف العاشر اين سنذهب من هذه المدرسة لأكمال دراستنا فلا احد سيستقبلنا وسنجلس في المنزل مع أنفسنا لأكمال دراستنا الى التوجيهي ، وانا رضيت بما حدث ولا اريد ان تضيع علي سنوات دراسية كما ضاعت من قبل بسبب قرار عدم فتح صفوف عليا في المدرسة ، وأكمل تعليمي في البيت وبعدها يفرجها الله وربما عسر يأتي من بعده يسرا.

 

كلمة أخيرة تحب ان تلقيها رويدة عل مسامع الجميع؟

- شكرا لكم ولكل إنسان يمد يده لشخص من ذوي الاحتياجات الخاصة لمساعدته في تخطي عقبة او مشكلة تعترض طريقه ، فعسى ان يهيىء الله له من يكون على يديه نجاحه ومساعدته على الانتصار على الإعاقة التي لديه ولو بالكلمة الطيبة.