البنات ويوم المرأة

Printer Friendly, PDF & Email

مع اقتراب يوم المرأة ، داهمت ذاكرتي أغنية جميلة انتشرت في سبعينات القرن العشرين ، غنتها سعاد حسني في المسلسل التلفزيوني هوّ وهيّ الذي وضع أغانيه عبقري الزجل صلاح جاهين ، ولحّنها عبقري آخر هو كمال الطويل.. تقول بعض مقاطعها البنات أفضل الكائنات.. البنت زي الولد.. مهش كمالة عدد.. همهم خدمة بلدهم زيهم زي البنين.. البنات ناصحين أوي ينفعوا وزراء مالية وهكذا.

ماذا لو قدًّر لصلاح جاهين وكمال الطويل أن يعيشا إلى الراهن.. ويشاهدا فتاوى الدعاة على بعض الفضائيات في مسائل المرأة ، بدءا من إرضاع الكبير ، وانتهاء بجواز قتل من يسمح باختلاط الإناث والذكور في العمل أو العلم لأنه ديّوث، وماذا لو سمعا الاجتهاد عن غير علم في مسائل قوامة الرجل المطلقة والزواج والطلاق؟ أو ما جاء في تقرير مصور أذاعه التلفزيون الأردني حول الصحة الإنجابية ، فكانت النساء أكثر تشددا في مسألة خلفة البنات ، فأنجبت إحداهن تسع بنات حتى رزقت بالصبي ، وأخرى سبع ، وثالثة 17 مرة،. أو علم بزواج الأطفال في مناطق الفقر من كهول يملكون؟ أو يقرأ عن ظاهرة وأد البنات في دول آسيا التي تطبق تحديد النسل ، فتجهض المرأة نفسها حين تحمل بالأنثى وتبقي الذكر،.

يحدث هذا في دول نادت بعدم الانحياز بين القوى الدولية المتصارعة ، وبعدم العنف ضد النساء.. وماذا لو عرف جاهين ما تتعرض له النساء في مناطق النزاع من اغتصاب وقتل وجوع. وما يفعله الفقر بنساء العالم ، فيحرمهن من أبسط الحقوق الإنسانية؟،.

ماذا سيكتب صلاح جاهين عن البنت؟.

حين كتب صلاح جاهين أغنية البنات ، كانت المرأة العربية تنظر إلى المستقبل بالأمل ، يدعم مسيرتها فكر الرجل المستنير.. والثقافة الجمعية تدفع طموحها لتتساوى مع الرجل في حقوقها ، فتحققت إنجازات كبيرة ، تمثلت في وجودها في البرلمانات بنسب لا تحلم بها أية دولة الآن، ولم تكن البنت تسمع في الراديو والتلفزيون أو تقرأ في الجرائد إلا ما يؤكد إنسانيتها.

أما صياح بعض الفضائيات الآن فيؤكد دونيتها ، وأنها المسؤولة عن زلل الرجال ، دون إشارة إلى وجوب غضّ البصر،.

وضع النساء في المجتمع هو انعكاس لفكره ورؤيته.. ولأن نكوص الفكر الجمعي عاد بالإنسان العربي إلى المربع الأول ، سياسيا واقتصاديا في ظل تدخلات أجنبية ونهب للموارد لا يتوقف ، وأزمات مالية تتصاعد ، وشباب حائر لا يحس بالأمان للمستقبل في ضيق الفرص والإمكانات ، ويبحث عن أحلامه خارج أوطانه ، بالهجرة الشرعية أو بقوارب الموت ، أو بالتسلل غير الشرعي.

لهذا يبدو الاحتفال بيوم المرأة مثل أوكازيون كبير ، تتبارى فيه المحلات لعرض الأفضل في واجهاتها. أو مهرجان ملوّن ترفع فيه الشعارات ويتسابق الإعلام والمحافل للحديث عن إنجازات برّاقة.

أما الذي يثيرني فهو ما تفعله الصحف ودوائر الأخبار في الفضائيات حين تنصّب زميلة رئيسة تحرير ليوم واحد؟، ورغم الرمزية والدلالة يبرز السؤال لماذا لا تكون رئيسة دائمة؟ هل تفتقر للمقومات الفكرية؟ الجَلَد؟ النظرة الاجتماعية؟ التقاعس الذاتي عن عمل مجهد؟ وساعات طويلة؟ وربما دوام ليلي؟.

أكدّت آخر التقارير أن مشاركة النساء العربيات لا تزيد عن %28 من القوى العاملة ، تختلف من دولة إلى أخرى. وارتفعت النسبة حتى %40 في بعض دول الخليج،. ولكن فات الدراسة أن تبين المجالات التي تعمل فيها النساء. وأن القطاع الأكبر هناك يعمل في التدريس أو الصحة ، حتى أصبحت مخرجات الجامعات تفيض عن حاجة سوق العمل. كما أشارت إلى الفقر العربي ، وأن المرأة العربية (بالمجمل) من أفقر النساء في العالم.

والفقر أهم أسباب تراجع مكتسبات المرأة ، فقلة الفرص ، وانخفاض مستوى الدخل ينعكس سلبا دائما على تعليم البنات وصحتهن وأوضاعهن داخل الأسرة.

إن الارتداد في العقل العربي الجمعي في العقود الأخيرة هو المسئول عن هدر بعض مكتسبات المرأة ، ولهذا لا يمكن فصل تراجع حال النساء عما تعانيه المجتمعات برمتها.

وإذا كان عميد الأدب العربي طه حسين هو من أدخل الفتاة المصرية إلى الجامعة أول مرة ، فقد منع كتاب الأيام لطه حسين وأخرج من المناهج بعد عقود من تدريسه ، لأنه ينتقد رجال الأزهر. وصار كتاب قاسم أمين تحرير المرأة من المحرمات ، واضطرت عائشة عبد الرحمن أن تعتذر عن كتابها نساء الرسول؟ وهؤلاء حوربوا بعد وفاتهم من فكر يعتقد أنه وصي على العقل العربي وإعماله ماضيا وحاضرا.