تحرُّش !

Printer Friendly, PDF & Email

كانت سمراء ممشوقة، بهية الملامح، تخرج إلى عملها في الصباح، لتعود وقت الظهيرة في أثناء عودتنا نحن من المدارس. ولم تكن لترسخ في الذاكرة لو لم أكن أسمع همساً عنها في المجالس النسائية... إذ بدا أنّ هناك إجماعاً على سوء أخلاقها، أما السبب فهو أنها كانت تلتفت وراءها في اللحظة التي تدلف فيها إلى المنزل، مما يشير إلى أنه كان يهمها معرفة من طفق يتبعها طوال الطريق من عملها وحتى باب بيتها.

وللعلم، فقد كان شائعاً أن يقوم الشاب بتتبع الفتاة التي تحظى على إعجابه، فيسير وراءها لمعرفة عنوانها حتى إذا شاء خطبتها كانت الأمور ميسرة أمامه.

وللعلم أيضا، فقد كان يجدر بالفتاة ويفترض بها ألا ترفع عينيها عن الأرض أثناء سيرها، وألا تلتفت وراءها حتى ولو لحقها ديناصور!

لهذا كله، فقد كانت التفاتة صاحبتنا كفيلة بتشويه سمعتها، وإعطاء فريق النساء المتفرغات مادة شيقة للنقد والنميمة، فكان يُقال: فلانة لن تتزوج أبداً... هكذا وبثقة أكيدة، فأتساءل: ربي، أي ذنب اقترفته إذا نظرت باتجاه من أرهق أعصابها بوقع أقدامه وراءها طوال الطريق، ما علاقة هذا بسوء الخلق أو حسنه؟

كنت طفلة، وكنت حائرة ومشفقة على الجميلة التي لن تتزوج أبداً كما جاء في التنبؤات القاطعة للنساء الفاضلات!

كنت حزينة لأجلها على اعتبار أنّ الزواج هو آخر المطاف ونهاية الأرب والموعد الأصدق والأجمل مع السعادة! المهم أننا انتقلنا من الحي وقلبي عندها، ولو ساعدتني سنوات عمري القليلة آنذاك للحديث معها، لعبّرت لها عن تضامني مع موقفها وعن معارضتي لكل ما يُقال عنها.

أما لماذا قفزت هذه الحكاية إلى الذاكرة، فالسبب هو ما صرّح به أحد الشباب بشأن بعض الفتيات ممن لا يجدن حرجاً في التحرّش بالجنس الآخر بوسائل مختلفة ومزعجة للغاية وإلى حد النفور حسب تعبيره.

أدهشتني الشكوى إلى ذلك الحد الذي شعرت به بالحنين لذلك الزمن الذي كانت نظرة المرأة إلى الرجل تحسب ضدها... لأتمتم بحزن شديد: للأنوثة حرمة وكبرياء لا علاقة لهما بالتخلف والتقدم... للأنوثة كرامة وهيبة تجعل من شكوى رجل إزاء ملاحقة امرأة واحدة له إهانة وإساءة لكل نساء الأرض!