عائشة التيجاني.. نشمية رحلت

Printer Friendly, PDF & Email

أيام كانت الاذاعة عروس الاعلام، ومهوى أفئدة الأدباء والكتّاب والشعراء ورواة السيّر والحكايات، وعشاق الربابة والميجانا والعتابا، أيام غاب عنها التلفزيون بطلته الجميلة، والوانه الزاهية الجذابة، والانترنت، والكمبيوتر وغزوه لكل بيت في البادية والقرية والمدينة، والأهم من ذلك اختراع (الموبايل) الذي يمكن أن يوضع في أصغر جيب، وينقل الينا الحدث لحظة وقوعه بكل دقة ووضوح وصدق.

في تلك الأيام كان بين المذياع وبين الناس عشق صوفي عجيب، عشق يجعلك تحس بأن هذا المذيع هو أخوك، وان المذيعة تلك هي أختك، ولما كانت الاذاعة هي الرئة والقلب والدم لكل الناس، فقد كان لتلك الفترة فرسانها ورجالها، ولها ايضاً اخوات الرجال من نشميات الاردن الرائدات.

في تلك الأيام كان صوت المذيعة الرائعة (عائشة التيجاني) يقطع صمت الليل، ويملأ الفضاء بعطر الشعر والأدب في برنامجها الجماهيري (في الزورق)، ذلك البرنامج الذي استضاف المئات من الأدباء والكتّاب والمفكرين من الاردن وفلسطين وبعض الأقطار العربية.

(في الزورق)، موسيقى، ومؤثرات، مع صوت لأمواج البحر، والمجاذيف وهي تشق عباب بحر من المحبة والصدق والدفء، وتدفق في الانتاج والمعلومات، وصوت (عائشة) وهي تقرأ شعراً، القاء قل نظيره، بلاغة متناهية، انسجام بين الشعر والموسيقى، بين المذيعة وضيوفها، بين الضيف وجمهوره، كل هذه العناصر تنساب ضمن سمفونية واحدة في برنامج واحد، ولا نبالغ إن قلنا بأننا لا نكاد نظفر له بشبيه في كل وسائل الاعلام، المسموعة والمقروءة.

قبل أيام ودعتنا ربانة (في الزورق) بعد حياة حافلة في العطاء في مجال الاعلام الاردني، وفي حياتنا الثقافية التي ما عاد لها لون بسبب الكثير الكثير من البرامج الهزيلة المسلوقة ولا غاية لها الا تعبئة الفراغ كيفما كان.

عائشة التيجاني، رحلت عن دنيانا، ولكنها تركت خلفها اجيالاً من تلامذتها، وعشاق صوتها وفكرها، سواء الذين عاصروها وزاملوها ام الذين سمعوا بها.

نعم.. لقد تركت (عائشة) المذياع، وترجلت تاركة الساحة لاتباعها، وتلامذتها، وعشاقها، والذين تتلمذوا على فكرها واسلوبها وأدبها ولغتها وصوتها الرخيم المميز، والتعزية الكبرى لأسرتها الصغيرة ولأسرتها الكبيرة المترامية عبر الوطن العربي، فالبقاء لله وحده، ولعائشة الرحمة من الله والمغفرة.