هل تخاف المرأة العربية من كتابة سيرتها الذاتية؟

Printer Friendly, PDF & Email
image

السيرة الذاتية للمرأة العربية.. اين هي?

بعض الكاتبات رغم تحررهن في الكتابة لا يكتبن سيرتهن الذاتية

كتب الادباء والسياسيون الرجال سيرهم الذاتية متحدثين فيها عن مسار حياتهم ويلخصون فيها ربما تجربتهم وفلسفتهم الحياتية, ولا تقتصر هذه التجربة على الرجل بل كتبت مجموعة من الاديبات وسيدات خضن التجربة السياسية سيرة حياتهن وكانت محط اهتمام لكبرى دور النشر والتوزيع كما تقاضين مقابلها ملايين الدولارات مثل المذيعة الشهيرة باربرا والترز وزوجة رئيس الوزراء البريطاني شيري بلير في مذكراتها التحدث عن نفسي, اضافة الى سارة بايلن ولورا بوش, وفي عالمنا العربي قلما نجد نساء كتبن سيرتهن الذاتية ومنهن هدى شعراوي, نبوية موسى, عائشة عبدالرحمن, زينب الغزالي, فدوى طوقان, نوال السعداوي, ليلى عسيران, ليلى العثمان.

ولكن بين المرأة العربية والاجنبية هناك فروقات كثيرة تدعونا للبحث في اسباب عدم اقدام المراة على كتابة سيرتها الذاتية, الدكتورة هند ابو الشعر تعتقد بان: لكل امرأة مواصفاتها تبعاً للأرض التي تضبطها المنظومات الأخلاقية والتراثية, هذا من جهة, ومن جهة اخرى من هي المرأة التي تستحق سيرتها أن تكتب...? المرأة السياسية أم المبدعة أم العادية.... أي امرأة....؟ أنا أرى أن هذا الأمر يرتبط بفئة محدودة جداً, وان المرأة التي تكتب سيرتها هي حالة استثنائية وهذه الحالات قليلة.

ذلك في حين ترى الدكتورة عائدة النجار والتي كتبت بنات عمان أيام زمان : داكرة المدرسة والطريق وهي سيرة ذاتية توثق فيها لجيل بنات المدارس في الخمسينيات بان: كتابة السيرة الذاتية للمرأة والرجل في العالم العربي جاءت متأخرة عن هذا النوع من الادب في الغرب.فقد اهتم الغرب به لعادتهم في كتابة اليوميات سواء كانت شخصية أو عامة. فالسير الذاتية والمذكرات واليوميات والخواطر (وهي تختلف في طريقة تناولها وكتابتها) يكتبها عادة اناس وشخصيات قاموا باعمالتاريخية أو مهمة  كما يراها البعض بمعنى أنهم عرفوا للرأي العام كرجال السياسة, أو العسكريين, أوالمؤرخين الاقتصاديين أو الفنانين والرياضيين أو الادباء من الشعراء والروائيين وكتاب القصة وغيرهم. ورغم الاختلاف في اسلوب الكتابة, ورغم الدوافع وراء كتابة اي نوع منها يبقى هناك عامل مشترك هو وجود الذات في نص الكتابة بشكل مباشر أو غير مباشر.

وتؤكد النجار بان : السيرة الذاتية عرفت بين الرجال في المجتمع العربي أكثر من النساء, والسبب أن للرجل حرية في التعبير عن النفس خاصة ما يتعلق بالموضوعات الشخصية المعبرة عن المشاعر الخصوصية والعاطفية, والعلاقات العائلية والعلاقات مع الجنس الاخر, في حين تلجأ بعض الاديبات الى الادب والابداع بأنواعه للتعبير عن نفسها ومشاعرها وأحلامها في الشعر والرواية والقصة, وكثيرا ما تلجأ للترميز أو كتابة المذكرات بشكل سري من دون نشرها. هذا بالاضافة الى ان بعض الكاتبات يكتبن احداثا يلبسنها ثوب الخيال كما في الروايات كي يخفين جوانب من سيرتهن الذاتية مما يؤكد أن الكثيرات وحتى من المتحررات لا يزلن يكتبن في اطار يتمسك بالتقاليد التي لم يتحررن منها بعد, ويلاحظ أن مثل هذا النمط لا يزال يتكرر في أجيال متلاحقة رغم بروز كاتبات متحررات لا يزلن يعالجن قضايا لا زالت تقليدية.

دكتورة الادب الاندلسي فريال العلي تحدثت عن تجربة الاديبات في كتابة سيرتهن الذاتية حيث اكدت بان: الأديب عادة ينطلق - ولا سيما في أعماله الأولى- في استلهام موضوعاته من واقعه المعيش في الغالب, ولما كانت المرأة تدور في فلك اجتماعيّ أضيق نوعًا ما من الرجل فإن أغلب ما توظفه من مواقف وأنماط إنسانية في أعمالها الإبداعية مستمد من واقع حياتها وحياة المقربين إليها, لكنّها تحاول تضييع الملامح الواقعية للشخصيات أو المواقف بإعمال خيالها قليلا أو المزج بين عدد من التجارب الإنسانية للتّهرّب من نسخ الواقع دفعًا لتهمة قد توجّه إليها أو كشف لخصوصيات آخرين يعنيها أمرهم.

ولكن هل المرأة صادقة في كتابة سيرتها الذاتية ام تخفي جوانب؟وما السبب وراء ذلك خوفها من مجتمعها? ام خوفها على نفسها؟

النجار تؤكد بان: المرأة عادة صادقة في مشاعرها لحساسيتها, وكتابة السيرة تعني انها تجلس مع نفسها لتسترجع اناسا وأحداثا تعاملت معهم في أمكنة وأزمنة معينة صنعت جزءا من تاريخ حياتها الاجتماعية والنفسية العامة والخاصة. وأعتقد أن المرأة تبدع عندما تكون صادقة ولا تخفي جوانب مهمة تركت بصمات في حياتها سلبية أو ايجابية. ولأن الذاكرة انتقائية فهي تنتقي ما تر اه مناسبا  لتقدمه للمتلقي من دون أن تبتعد عن المصداقية. أكثر الكاتبات يخفين بعض الجوانب, ولا يعني أنهن يزورن الحقائق فهن يقدمن الاحداث التي وقعت في زمن معين وليس في زمان ومكان افتراضيين من الخيال. فالسيرة غير الرواية التي يتوجب وجود الخيال فيها. ونرى أن المرأة الغربية أكثر صدقا من العربية عند كتابة المذكرات والسير كونها تكتب عن مجتمع يختلف عن المجتمع العربي المحافظ. كثير من النساء يكتبن الرواية التي تخفي في طياتها جوانب من حياة حقيقية وقلة تكتب بجرأة غير مألوفة كما فعلت حنان الشيخ حينما كتبت سيرة عن امها أو بعض منها واسمها ( حكايتي شرح يطول ) .

وتضيف النجار بان من اسباب اخفاء المرأة لبعض الجوانب من حياتها : لأنها لم تتحرر بعد من الرواسب الثقافية والاجتماعية التقليدية.وليس لها الجرأة أن تسير مع اللواتي بدأن يتبعن منحى جديدا في الصراحة أو كما يسميها البعض التمرد.

بينما تعتبر العلي بان: الإنسان العربيّ -رجلا كان أو امرأة - يتعامل مع ذكرياته بطريقة الإلغاء والإقصاء للكثير من المواقف المحرجة أو المرفوضة اجتماعيًا أو التي لا تحظى بقبول الأنا المثالية أو الآخر المتحفّز لتعرية المستور, وبهذه الذهنية يكتب أغلب الأدباء سير حياتهم, والأديبات خاصة, لكن لا نستطيع تعميم ذلك ; إذ ثمّة مساحة أوسع  للفضفضة عند بعض من يكتبن سير حياتهنّ في أرض المهجر نظرًا لطبيعة الأنماط الذهنية السائدة عند المتلقي هناك من ناحية, وابتعاد الأديبة عن تلقّي ردود أفعال عنيفة ومباشرة قد لا تستطيع الصمود أمامها طويلا.

بينما الصدق هو مسالة نسبية عند هند ابو الشعر حيث تتساءل عن مدى وجود الصدق في عالم السياسة مثلا, كما تعود ابو الشعر الى السبب الذي يجعل المرأة تكتب سيرتها فإذا أرادت أن توثق تجربتها الحياتية أو السياسية أو الأدبية, فإنها تماماً مثل أي سياسي أو أديب مبدع أو مثل أي رجل يرى ان تجربته تستحق التوثيق والكتابة والنشر.

وتطرح ابو الشعر تساؤلا اخر هو لماذا يخفي المرء من سيرته بعض الأحداث...? وتجيب بانه ربما لأنه ارتكب أخطاء في حياته السياسية ويريد أن يبرئ ساحته أمام التاريخ, وتضيف  نحن نتحدث عن مبررات كثيرة, ونحتاج لمن يتفهم ما نقول, لكن, من قال ايضاً بان السيرة الذاتية هي حالة فوتوغرافية...؟ المبدع يكتب ما يخص إبداعه, والسيرة الحياتية يجب أن تكون غنية ليكتبها صاحبها, لذا فانه لابد وان يكون انتقائياً, وهذا يحدث لكل من يكتب سيرته سواء أكان رجلاً أم امرأة.

كل ذلك يدعونا للتوقف عند الاديبات العربيات اللواتي كتبن سيرهن الذاتية ومنهن فدوى طوقان في رحلة جبلية رحلة صعبة التي تذكرها فريال العلي وتقول بانها: أشهر اللواتي كتبن سيرهنّ الذاتية من الأديبات العربيات, لكن ما نلمسه أن الكثير من السير الذاتية أقرب إلى تدوين اليوميات المنتقاة منها إلى تقديم الذات على مذبح المكاشفة والتعرية لكل المحطات الّتي شكلت شخصية هذه الأديبة أو تلك وصقلت خبراتها وأضاءت أفقها المعرفيّ وأثثت فضاءها الإبداعيّ على نحو خاص بها.

كما تذكر عائدة النجار الطبيبة والاديبة نوال السعداوي التي كتبت بجرأة واسلوب علمي عن( المرأة والجنس ) وقد بدأت كتبها المنفتحة مرتكزة على تجربتها الشخصية وفضحت فيها الممارسات غير الانسانية لعادة ختان البنات  في مصر, كما تناولت بعض الاديبات موضوع المرأة الانثى والجسد مثل رواية ( ذاكرة الجسد لاحلام مستغانمي) وكانت كأنها تكتب سيرة  نساء كثيرات لهن وجوه متعددة.

ومن الاديبات اللواتي كتبن سيرهن وكانت لهن اتجاهات مختلفة ثريا ملحس الاديبة والشاعرة التي تحكي عن ذاتها ومجتمعها, كما كتبت بعض الاديبات سيرا سياسية كن صادقات فيها منها عنبرة سلام الخالدي (جولة في الذكريات بين لبنان وفلسطين) حيث بينت مسيرة حياتها عن مجتمع بيروت, وليلى خالد ودورها في خطف الطائرة ومي الصايغ عن حصار بيروت (الحصار) وغيرهن, ويلاحظ أن السير السياسية والاجتماعية المباشرة أكثر صدقا من الروايات في ابراز الذات والانا وقد تشجعت الاديبات في كتابة السيرة الذاتية والمذكرات في المدة الاخيرة وظهر هذا النوع من الابداع كأدب يهتم به النقاد.