خلال القرن المنصرم حققت المرأة الأردنية إنجازات كبيرة في مختلف ميادين الحياة الثقافية والإقتصادية والإجتماعية مثلها مثل أخيها الرجل، ولعل أحد أسباب هذه التغيرات الكبيرة تكمن في انتشار التعليم في مختلف مناطق المملكة، منذ الاستقلال.
وتعزز ذلك بصدور مجموعة من القوانين التي تحض على التعليم الإلزامي، إذ صدر قانون في منتصف الخمسينيات ينص على إلزامية التعليم للصفوف الستة الأولى، وتلاه قانون آخر في الستينيات من القرن الماضي ينص على إلزامية التعليم حتى نهاية الصف التاسع.
وفي الثمانينات من القرن نفسه رفعت مدة إلزامية التعليم حتى نهاية الصف العاشر، وساعد كل هذا على إنتشار التعليم بين مختلف فئات المجتمع الأردني في المدن والأرياف والبوادي، وجسر الهوة بين المدينة والريف في مجال العلم والمعرفة. وقد دفع هذا الأمر إلى أبعد مدى إنتشار الجامعات وتوسع ظاهرة تعليم الفتيات في الجامعات اللواتي جاوز أعدادهن الذكور.
ومن المعروف أن انعكاسات إنتشار التعليم على المجتمع الأردني كانت في غاية الإيجابية خاصة على المستويين الإقتصادي و الثقافي. ففي المجال الإقتصادي أخذت الفتيات المتعلمات اللواتي دخلن إلى سوق العمل بعد الجامعة يساهمن في عملية التنمية على مستوى الوطن كله، كما استطعن أن يعلن أنفسهن بما يتوفر لديهن من مردود مالي منتظم مما قلل اعتمادهن على الأهل أو الأزواج ووفر لهن الإستقلال الإقتصادي.
أما ثقافيا فلم يغن التعليم مدارك المتعلمات فقط، وإنما وفر أرضية مناسبة لتربية وتعليم الأبناء، إذ من المعروف أن مستوى ثقافة الأم لا بد أن ينعكس على ثقافة الأبناء، أي أن الجيل كله قد تأثر بالمستويات الثقافية الجديدة للأمهات المتعلمات.
فغالبية أمهات اليوم حصلن على فرص تعليمية معقولة، وهذا يشمل الفئات العمرية كلها تقريباً من فئة العشرينات وحتى فئة الستينات من العمر، ومن المعروف إحصائياً أن عدد من تزيد أعمارهم على الستين عاماً في المجتمع لا تتخطى 4% ما يعزز الرأي القائل بأن غالبية الأمهات يتمتعن بمستوى ثقافي لائق يساهم إيجاباً في إعداد الأبناء وتربيتهم.
إجتماعيا، أدى التوسع في تعليم المرأة والإختلاط في الجامعات ومؤسسات العمل إلى زيادة خبرات المرأة الأردنية، والتوسع في شبكة العلاقات الإجتماعية وزيادة عدد المعارف ذكوراً وإناثاً، وظهور أنماط من السلوكيات منها الإيجابي الذي يقره المجتمع ويحض عليه، ومنها السلبي، وقد تتعزز مثل هذه السلوكيات الجديدة بمؤثرات ثقافية واردة من الخارج عبر وسائل الإعلام وبعض أنماط الثقافة الاستهلاكية التي تسود في المجتمع، وتفرض نفسها عليه بمرور الأيام.
ففي بعض الأوساط ولدى بعض الشرائح الإجتماعية قد تسود أنماط من العلاقات السلبية التي يشجع عليها كثرة أعداد ممارسيها، وقلة الردع الإجتماعي أو انعدام الضوابط الذاتية خاصة بين تلك الفئات التي تحيا في المدن، التي ليس هناك رقابة على سلوكياتها إلا الرقابة الذاتية.
وهذا يختلف كثيراً عن التجمعات السكانية القروية التي يكون كل ساكنيها أنصاراً مخلصين للعرف والعادة، ومراقبين جيدين للسلوك في الشارع والمدرسة والسوق وفي كل مكان، فيكون من العسير إنتشار السلوكيات غير المرغوبة التي لا يقرها المجتمع، وإن حصلت مثل هذه السلوكيات في مثل هذه المجتمعات الريفية فإن العقوبة تكون عليها رهيبة قد تصل إلى حد إزهاق الروح.
يقودنا هذا إلى التحدث عن ردود فعل المجتمع حيال بعض السلوكيات والعلاقات غير المرغوب فيها، إذ يقف المجتمع عادة وقفة الريبة من تعقد شبكة العلاقات الإجتماعية الجديدة وتنوعها خشية أن تقود هذه الأنماط الجديدة من التعامل إلى إحلال سلوكيات جديدة مكان السلوكيات القديمة، وإضعاف منظومة الضوابط الاجتماعية التي تحكم علاقات الأفراد، وقبل كل شيء العلاقة بين الذكور والإناث.
ويغذي هذا الشعور لدى أفراد المجتمع الخشية على العلاقات العائلية وشرف الإناث علماً بأن المجتمع لا يستطيع أن يحد من تنوع العلاقات الإجتماعية الجديدة التي يفرضها التطور نفسه، إذ معروف أن التطور أقوى من المجتمعات، وفي أحسن الأحوال قد يستطيع المجتمع بما أوتي من مؤسسات وسلطات أن ينظم هذه العلاقات، ويوجهها بالإتجاه الذي يريد.
ولكن على رغم كل الجهود المبذولة فإن سنن التطور تفعل فعلها في المجتمع، خاصة في ظروف الإنفتاح والعولمة والإنترنت والإتصالات والثورة العلمية التقنية، وتوجه العالم نحو وحدانية الأنماط الثقافية العالمية.
وأياً كان الأمر فإن مجتمعاً كمجتمعنا وخلال هذه المرحلة التاريخية من التطور لابد أن يعيش صراعاً بين الجديد والقديم، وأن يصل في النهاية إلى حال من الاستقرار الثقافي والاجتماعي، إذ أن هدف الصراع في النهاية هو الإستقرار الذي لا بد أن يصل إليه المجتمع، والاستقرار ضرورة ليست للتطور فقط وإنما لحياة المجتمع نفسه وإستمراره.
ومعلوم أن لهذا الصراع ضحايا، وقد يكون ما يسمى بجرائم الشرف أحد تعبيرات هذا الصراع الصارخة، وهذه الجرائم، وهي جرائم حقاً قد تجد لها من الموروث الاجتماعي تبريرات تسندها وتخفف من عقوبات مرتكبيها، وبذلك فإن الذي يقترف مثل تلك الجرائم يلجأ إلى مثل هذه التبريرات مرغماً بسبب الضغوط الهائلة من قبل المجتمع الذي لا يستطيع مواجهته، ومن هنا يلجأ الناس إلى البحث عن قوة كلية القدرة تستطيع أن تقف في وجه المجتمع نفسه بما أوتيت من وسائل للقوة وهي الدولة نفسها.
وسعت الدولة جاهدة لتحد من هذه الظاهرة بتعديل القوانين بما يردع مرتكبي مثل هذه الجرائم ويغلظ عليهم العقوبة. وقد ظهرت في السنوات الأخيرة دعاوى عريضة من قبل أفراد وجماعات تندد بمثل هذه الظاهرة، وتدرسها وتتحدث عنها طويلاً بحقٍ وبغير حق إلى درجة إثارة الرعب، حتى أن بعض تلك الدراسات كانت ممولة من جهات خارجية، وليس من السهولة معرفة الهدف الحقيقي لمثل هذه الدراسات. ولكنها بأي حال ليست كلها تدفع بالماء نحو طاحونة الشرف.
إنه لمن المؤلم حقاً ان يأخذ شخص ما من المتضررين من السلوكيات الفردية على عاتقه تطبيق القوانين والعرف في المجتمع، فهذا الأمر جريمة ينبغي أن يتصدى لها القانون. ولكن أليس في كثرة الحديث عن مثل هذه التصرفات ترويج لها؟ وتصوير حياة المجتمع بهذا الشكل المرعب، والأمر لا يتعدى مجموعة محدودة من السلوكيات الجرمية التي لا تشكل ظاهرة في مجتمعنا.
ومن نافلة القول التذكير أنه لا بد لمن يريد أن يتصدى للعلل التي يعاني منها المجتمع أن يكون ملماً بجميع تفاصيل حياة هذا المجتمع، وأنماط حياة فئاته السكانية في شتى مناطق تواجدهم، أي أن يكون قد تغبر برمال صحرائه، ومر بزقاقات قراه الصغيرة والضيقة، واشتم دخان حواريه، وسمع ثغاء قطعانه، وعرف المدن على شتى درجات تطور أحيائها، ورأى الأرياف والأمهات اللواتي يعملن ويكدحن لكي يبقى الموقد مشتعلاً، والبيت دافئاً، وما زلن يؤمنَّ بأن هناك مكانا في هذا العالم لإقتصاد الشاةِ والسنبلةِ، تلك الأمهات اللواتي يلدن الجندي والمعلم والمشرع والقائد، وينفخن ضِراماً في روح المجتمع التي يريد أن يخمدها بعلم أو بدون علم، المدعون من رافعي مختلف ألوان الرايات الغربية والشرقية، والذين ما يلبثون أن يتساقطوا عند أول إختبار يعرضهم المجتمع له في لحظات حياته الحاسمة، أو كما يقول بعض المولعين بالكلمات الكبيرة في لحظات المنعطفات التاريخية.
المجتمع، أي مجتمع، بحاجة إلى قليل من الأقوال وكثير من الأفعال، وقد أدركت هذه الحقيقة البسيطة كل المجتمعات التي مرت بمخاضات تاريخية عاصفة وتخطتها بنجاح.
وقد عرفت تلك المجتمعات أن الشرف كل متكامل لا يتجزأ ولا ينحصر في الأعضاء الجنسية وامتداداتها التشريحية. فأمانة الكلمة شرف والإخلاص في المهنة شرف والحفاظ على المال العام شرف واستخدام النعوت الطيبة كلها تزيد المرء شرفاً على شرف.
واللطف والتهذيب وحسن التدبير شرف أيضاً، وأول الاعتداءات وأكثرها هي تلك التي تحصل على هذه المفاهيم قبل أن تصل إلى الجنس وملحقاته. وحبذا لو ذكر المتحدثون عن الشرف بكل هذه المفاهيم أو بعضها قبل أن يحصروا الشرف في جزئية واحدة قد ينطبق عليها قول اللائمين كلمة حق يراد بها ...
هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي








5118 ,Amman 11183, Jordan