التقيت بها عند احدى الصديقات وعرفت فيها صديقة طفولتي التي لم أرها منذ زمن بعيد . كان الحزن يكسو محياها ويشع في عينيها، ومظهرها يدل على الفقر والفاقة، كما عرفت بأنها تقوم بتنظيف بعض أنواع الحبوب الغذائية وأنواع من الخضراوات وتجهيزها للطبخ وبيعها لمن يريد ذلك من الزبائن مقابل اجر يساعدها في سد احتياجات أسرتها، سألتها مستفسرة عما حل بها وعلى ما كان يبدو عليه حالها وهي ابنة التاجر المعروف .ردت علي بصوت يقطر مرارة قائلة
ان والدي التاجر الذي ذكرت وراء كل ما ترين عليه حالي، فقد حرمني وأختي نعمة التعليم بينما قام بتعليم اخوتي الذكور في افضل المدارس وأهم الجامعات، وقد زوّجني وأختي في سنّ مبكرة، كان زوجي موظفا بسيطا عشت في كنفه عيشة هادئة، راضية بما كان يستطيع توفيره لي من متطلبات الحياة، وكانت المرحومة والدتي تمد لي يد المساعدة وتعمل على سدّ الكثير من مستلزماتي واحتياجات ابنائي وبعد وفاتها انقطعت عني المساعدة التي كنت اتلقاها منها وبت اعيش مع اسرتي عيشة بسيطة يشوبها الكفاف.
وذات يوم ذهبت اختي التي كانت احسن حالا مني الى والدي تطلعه على حالتي المعيشية وتسأله مساعدتي، فكان رده بأنه لا يستطيع ذلك وبأنه كان مسؤولا عن بناته حينما كن يعشن في ظله ورعايته ولم يعد مسؤولا عنهن بعد زواجهن وخروجهن من بيته،فغصت بريقها وتابعت كلامها قائلة تلقيت رده عن طريق اختي بدهشة وحيرة، وصمت مغلوبة على امري، وبعد فترة من الزمن توفي والدي التاجر الكبير وترك وراءه ثروة من الأموال والممتلكات، وفوجئت كما فوجئت اختي بأنه حرمنا نحن الإناث من الميراث وخصّ به اخوتي الذكور.
قمنا بالتوسط لدى كبارالناس والوجهاء في البلد للتدخل في الأمر وإعادة شيء من تركة ابي الينا ولكن جهود الجميع باءت بالفشل فاضطررت وأختي للجوء الى القضاء فتبين لنا بأن ابي كان قد ترك ثروته لأشقائي الذكور بطريقة البيع والشراء.
لم تكن لديّ شهادة او مهنة استعين بها على متطلبات اسرتي والعيش بحياة كريمة.
صعقت لما سمعته وأخذت احدّث نفسي كيف لمثل هذا الوالد ومن هم على شاكلته ان يحرموا بناتهم من حق اقرته الشريعة السماوية متناسين ما قد ينال بناتهم من قسوة القهر ومرارة الإحباط والحرمان، وأتمنى من كل من تسول له نفسه حرمان الإناث مما قد حلله الله لهن من تركة ابويهن اتقاء الله والتراجع عن ارتكاب مثل ذلك الجور والظلم في حق بناتهم، والعمل بما جاء في القرآن الكريم من قول الله تعالى «للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قلّ منه اوكثر نصيبا مفروضا « صدق الله العظيم.








5118, Amman 11183, Jordan