القضية التي شغلت الإعلام العربي والعالمي ، ومثله القضاء وعلماء النفس والاجتماع ومؤسسات حقوق الإنسان والمنظمات النسائية ، فجّرتها طفلات عربيات جريئات ، رفضن انتهاك طفولتهن بالغصب والحرمان ، والتعدي على إنسانيتهن تحت مظلّة الزواج ، وفي مجتمعات عربية متباينة لا ترى في الظاهرة إلا حقاً للوالد في التصرف بابنته ، ولأسباب مختلفة إمّا الفاقة الشديدة ليتخلص من نفقات بنت مصيرها الزواج ، فيختصر الطريق ومن البداية ، أو للطمع في مصاهرة متنفّذ ، أو بيعها واستغلال مهرها الكبير نسبيا لسد احتياجاته أو تعليم أبنائه ، أو المبادلة بزوجة لشقيق أو ابن عم أو حتى زوجة ثانية للأب ، حين لا يملك أي منهم مهرا سوى المقايضة بالبنت لحل مشكلة الذكور العائلية ، وفي هذه الحالة الأخيرة توفّيت الطفلة العروس في اليمن ، بعد أربعة أيام من زفافها إلى الموت نتيجة العنف الجنسي.
في كل المعمعة الإعلامية استوقفني حوار إذاعي مع طبيب وقاض ومحلل اجتماعي يمنيين.. فسّروا الظاهرة كلّ في اختصاصه ، ثم تحدثت فتاة طلّقت نفسها من زوج كهل حين ساندها شقيق الرئيس اليمني في محنتها ، لكن القاضي رفض تطليقها لأنها قاصر ويحتاج إلى موافقة ولي أمرها ، فأجابته بأن قاضيا مثله عقد قرانها رغم أنها طفلة ، فاقتنع وطلقها. وهو ما يؤشر إلى اختلاف نظرة القضاة أنفسهم إلى بعض المسائل القانونية.
دلّ حديث القاضي اليمني الإذاعي على وعيْ متميّز ، فقد أشار إلى استغلال بعض أولياء الأمور ومؤيدي زواج القاصرات للدين في مآرب ومصالح عائلية ، فيستندون إلى زواج أم المؤمنين عائشة وهي طفلة ، والتي اختلف على تحديد عمرها حين زواجها ، بين التاسعة والثانية عشرة ، في حين أثبتت بعض دراسات حديثة أنها تجاوزت هذا العمر بكثير يوم زفافها.
وقال القاضي اليمني إن هؤلاء يسقطون عمداً التشبه بزواج أشرف المرسلين من السيدة خديجة ، وكانت تكبره بخمسة وعشرين عاما بينما هو في الخامسة والعشرين ، ولم يتزوج عليها حتى وفاتها ، فلماذا يختارون من السنّة ما يريدون فقط؟.
وتحدّث في نقطة أخرى شديدة الأهمية وهي أن القوانين كلّها تمنع مشاركة المرأة السياسية أو التحكم في مالها قبل الثامنة عشرة سن البلوغ العقلي ونضجه ، لتتحمل مسؤولية الاختيار المالي والسياسي، فكيف إذن نحمّلها مسؤولية عائلة وأطفال؟ تربيتهم ورعايتهم؟ ونحن لا نستأمنها على المال والاختيار السياسي ، وهو أقل أهمية في حياتها من مسؤولية رعاية الأبناء ووعي مصلحتهم وإدراك معنى نشأة صالحة لهم؟ أما عالم الاجتماع فركّز على أن دراسات يمنية أظهرت أن الزواج المبكر يحمي (في نظر العائلة) من العنوسة ، وأن نسبة العوانس ترتبط بإكمال التعليم ، فلا يقدم الرجال على الزواج من المتعلمة.. وهذا ينطبق على معظم المجتمعات الشرقية وإلى حد ما ، فكثير من الرجال يعتقدون أن المرأة الشابة تجدد كهولتهم وتحييها ، وآخرون يخشون الزواج من امرأة حققت ذاتها علميا ومهنيا واجتماعيا وذات شخصية قوية ، ويعتقدون أن العلم والاستقلال المالي يرتبطان بسيطرة المرأة في المنزل،.
أما الطبيب فأشار إلى مفاهيم كثيرة خاطئة ترتبط بالزواج من القاصرات.. وبعضه زواج بنيّة المؤقت في مجتمعات فقيرة ، حيث يستغل القادرون من مجتمعات عربية أخرى حاجة الأهل ويتزوجون قاصرات خوفا من الحرام وما يرتبط به من أمراض ، متناسين أن نية المؤقت حرام أيضاً.
مثل هذا الزواج يدمّر نفسية طفلة استغلت من الزوج والأهل ، وكثير منهن ينتهين بأطفال تخلّى عنهم آباؤهم دون علم أو وظيفة وربما اضطررن إلى توفير الحياة بأية وسيلة.
إثارة زواج الطفلات إعلاميا سلطت الضوء على ما تستطيعه الطفلة من رفض ومقاومة حين إجبارها عليه ، وكذلك وقوف الرجال المستنيرين إلى جانب الفتيات.. ولكن يظل العلاج الناجع في سنّ قانون يعاقب الأهل حين يسرقون الطفولة ويقتلونها بقرار كهذا ، مع تكثيف التوعية عبر إعلام يفضح الاستغلال والعنف العائلي ضد القاصرات.








5118, Amman 11183, Jordan