استعرضت د. فدوى نصيرات استاذة التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة فيلادلفيا دور المفكرين العرب المسيحيين في بلورة فكرة القومية العربية، والدفع بها من اطار التنظير الى حيز التنفيذ على ارض الواقع في بلاد الشام ومصر 1840-1918م، مشيرة الى انها فئة شكلت الطلائع الاولى في سياق نشأة الفكر القومي بحكم اتصالها المبكر بالغرب، وما كان يشهده من تحولات جوهرية نحو الفكر القومي، جاء ذلك في محاضرة القتها د. نصيرات مساء اول امس الاثنين في منتدى عبدالحميد شومان الثقافي، وقدمها د. علي محافظة.
وقالت ابتداء من عام 1516 غدا المسيحيون العرب جزءاً من رعايا الدولة العثمانية، التي عاملتهم وفقاً لنظام الملة المستنبطة قواعده من أحكام الشريعة الإسلامية، إذ تألفت الرعية في الدولة العثمانية من فئتين المسلمين وغير المسلمين. واعتبرت الفئة الثانية، لا سيما المسيحيون، من أهل الذمة، وهم الذين يتعهدهم السلطان بالحماية، وذلك بالمحافظة على حياتهم وحرياتهم وأموالهم، والسماح لهم بممارسة طقوس دياناتهم وإعفائهم من الخدمة العسكرية. وفي المقابل يتعهد الذميون بدفع الجزية، والالتزام ببعض القيود التي تجعل منهم طبقة من المواطنين ولكنهم في درجة أدنى من درجة المسلمين .
وقالت حالة يقظة الوعي القومي عند المسيحيين العرب طابعاً طويلاً متواصلاً . ويمكن أن نتبين ملامح هذه اليقظة منذ القرن التاسع عشر وعلى جميع المستويات الثقافية والسياسية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية.
ولقد برزت ملامح التحول لدى المفكرين المسيحيين العرب من خلال وسائل متعددة تمثلت في الجمعيات الثقافية. حيث رافق النهضة التعليمية في بلاد الشام إنشاء الجمعيات والنوادي الأدبية التي كان لها دور ثقافي وسياسي واجتماعي مهم ؛ فقد القيت فيها المحاضرات المختلفة، وتدرب المثقفون فيها على الحياة والنظم البرلمانية ونشروا دعوات وأفكاراً جريئة عن أنظمة الحكم، متأثرين بالآراء والفلسفات الغربية، وأبرز هذه الجمعيات كما ساهمت الصحافة الدورية العربية بدور ملحوظ في تطور الوعي القومي العربي . ومن المسلم به أن الصحافة العربية قامت على أكتاف المسيحيين العرب في بلاد الشام ومصر، وكان لها دور مكمل لما بدأته الجمعيات الثقافية من نشاطات، لكن بشكل أوسع وأشمل بالإضافة إلى سعة انتشارها، الأمر الذي حقق اكبر الأثر في نشر الوعي القومي . ومن أبرز الموضوعات التي ركزت عليها الصحافة العربية في تلك الفترة.
وبينت د. نصيرات تطور التأليف في اللغة والنقد والبلاغة. ملاحظة أن العناية باللغة كانت في جوانبها صدى لظاهرة أعم هي تنبيه الوعي العربي والاتجاه إلى إبراز مقومات الأمة العربية، واثبات شخصيتها أمام التحديات. ومن هنا ساهم الكثير من الأدباء واللغويين في إحياء اللغة العربية وآدابها، وتم رصد الكثير من المؤلفات التي عبرّت بأفكارها ومضامينها عن بدايات الوعي القومي لدى الكتاب المسيحيين العرب.
ولخصت المحاضرة ابرز الموضوعات القومية التي تطرق اليها المسيحيون العرب في كتابات عصر النهضة، وعبّرت عن الاتجاه العروبي، بالموضوعات التالية.
اللغة العربية والتركيز عليها كوحدة جامعة بين العرب، إحياء التراث العربي والتغني بأمجاد العرب، المطالبة بخلافة عربية، جدلية التلازم بين الإسلام والعروبة، الدعوة إلى التمرد على الدولة العثمانية.
واشارت الى دور المسيحيين العرب الثقافي والاعلامي، في ما يخص الثورة العربية الكبرى، في الاشعار والقصائد التي قيلت في مدح الثورة كحدث تاريخي، والاشادة بأهدافها وقائدها.
فالأشعار والقصائد التي قالها الشعراء المسيحيون العرب في الثورة دارت موضوعاتها حول الحض على الثورة, وتمجيد شهداء 6 ايار مايو 1916، والتغني بالقومية العربية واعلان تأييدهم لقيام الثورة، واخيراً مدح قائد الثورة الشريف حسين بن علي.
ويأتي في طليعة هؤلاء الشعراء ايليا ابو ماضي، اذ نشر الروح القومية العربية، وحض العرب على الثورة والاستقلال عن الاتراك، ومنهم ايضاً رفيق رزق سلوم بقصيدته «صبوا الدماء على قبري».








5118, Amman 11183, Jordan