عنف .. وإن اختلفت الأسماء والمسميات

الرئيسية > المركز الاعلامي > الأخبار > عنف .. وإن اختلفت الأسماء والمسميات
Printer Friendly, PDF & Email
image

 « فاطمة» في الثانية و العشرين من عمرها يؤرقها عودة زوجها الى المنزل لانه سرعان ما ينعتها بالغبية والحمقاء وباستمرار.
و «آمال» وعمرها 31 عاما ولديها ثلاثة أطفال يضربها زوجها بخرطوم الغاز كلما غضب لأتفه الأسباب تاركا عشرات الكدمات على جسمها.
و «ليلى» وعمرها 41 عاما عادة ما تترك حبيسة بمنزلها، عانت من كسور في أطرافها السفلية بسبب سقوطها من علو طابقين بعد أن حاولت الخروج من المنزل الذي أغلق عليها وحيدة بالقفل، دون طعام أو شراب، لمدة 36 ساعة.
هن نساء يختلفن بالاسماء لكنهن يتشابهن بظروفهن الحياتية القاسية والتي يتعرضن خلالها لشتى انواع العنف اللفظي و الجسدي ليحول حياتهن الى قصة عنوانها الالم و العذاب الذي يقود في كثير من الاحيان الى الاصابة بالاكتئاب والانتحار كحل لحياة لا امل فيها .
وهذا ما حدث على ارض الواقع لهؤلاء النسوة ففاطمة اصيبت باكتئاب دفعها للأنتحار  أدخلت على أثره المستشفى بحالة خطرة هددت حياتها بالموت،
في حين اجري  «لآمال» عملية جراحية طارئة لإستئصال كليتها عقب تفاقم العنف الجسدي نحوها من الجلد بخرطوم الغاز إلى الركل والدوس على بطنها مما إدى إلى تمزق أحدى كليتيها، أما «ليلى» فسببت لهاالكسور التي عانت منها تشوها وعاهة في ساقيها الزمتها الكرسي المتحرك طوال عمرها.
نتائج سلوكيات العنف هذه لا تتوقف عند حدود الاكتئاب الذي يصيب عددا كبيرا من هؤلاء النساء بل قد يودي بحياتهن في أي لحظة من لحظات حياتهن نظرا للضغوطات النفسية الكبيرة التي يعيشون تحت وطأتها وحجم العنف الذي يتعرضن اليه.
الا انه بالرغم من العنف المؤلم الذي نهش اجسادهن واستباح كرامتهن وحول حياتهن الى قصص مؤلمة لا تنتهي عند فصل ما ,الا ان صمت هؤلاء النسوة على ما يتعرضن اليه امر يثير الدهشة في الوقت الذي تتعالى به اصوات مؤسسات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق المراة بوقف العنف ضد المراة وتشجيع كل امراة تتعرض للعنف لايجاد حلول تنقذها من واقعها.
الدكتور هاني جهشان اخصائي الطب الشرعي قال ان  العنف ضد المرأة مشكلة خطيرة وواسعة الانتشار تؤثر في حياة أعداد لا تحصى من النساء، ويتعامل معها معظمهن بصمت وقهر لمشاعرهن، فهن لا يطلبن المساعدة لأن العنف ضدهن وصمة إجتماعية تتصف بالخزي والعار لهن ولعائلاتهن،مشيرا الى انه في بعض الاحيان تخاف المرأة أنها إذا طلبت المساعدة سيتهدد أمنها وتقضي على سبل دعمها المادي، فقد يكون زوجها المصدر الوحيد لرعايتها وأطفالها ماديا، ولأن العنف مخز ومذل للمرأة فإنها تكون مترددة لمناقشته مع باحثة إجتماعية أو طبيب  لا يأخذها على محمل الجد، أو ينتقدها لما مرت به، أو يشعرها أنها تستحق الإساءة، أو يلومها على بقائها مع زوجها.
واضاف جهشان   بعض النساء وللأسف لا يدركن أنهن يتعرضن للعنف بسبب تقبلهن لسلوكيات أزوجهن العنيفة بسبب تنشئتهم في بيئة تتقبل ثقافة العنف وتضيق الخيارات المتوفرة لهن لمواجهته وقد يكون تقبلهن لهذا العنف بسبب تعرضهن لعنف أثناء طفولتهن أو مشاهدتهن لعنف أسري سابقا.
في حين ان بعض  النساء يعتقدن أن هناك أملا في تغيير سلوك أزوجهن العنفي ولهذا لا يطلبن المساعدة وقد يكون دافع المرأة أن تحمي زوجها؛ والد أطفالها  متجاهلة خطورة الإصابات التي تعاني منها، وقد لا تطلب بعض النساء المتعرضات للعنف المساعدة بسب كونهن أسيرات في منازلهن بكل معنى الكلمة.
وتساءل الدكتور جهشان عن سبب صمت المختصين عن تعاملهم مع ضحايا العنف الأسري من النساء؟
حيث اشار الى ان هناك مسؤولية مباشرة للوقاية ولمنع العنف ضد المرأة تقع على عاتق مقدمي الخدمات الصحية والإجتماعية والقانونية، حيث ان   بعضهم يعتقدون خطأ أنهم ليسوا في موقع يخولهم التدخل في خلاف عائلي وقد يفترضون أن المرأة هي من بدأ المشكلة وأنها تستحق تعرضها للعنف وفي بعض الحالات يقومون بلوم المرأة وتوبيخها تأسيسا على أفتراضهم هذا
واشار ان  بعض المخنتصين وخاصة في القطاع الصحي يعتقدون أن هذه مشكلة إجتماعية بحتة تستنزف وقت الطبيب ولا يوجد أي جدوى من تدخلهم، والبعض الأخر يشعر أنه عاجز تماما عن تقديم أية مساعدة للمرأة الضحية بسبب ما يرافق العنف من مشاعر سلبية.
ويرى الدكتور جهشان ان  المسؤولية المباشرة للوقاية ولمنع العنف ضد المرأة وبالتالي القضاء عليه لا تقع على المرأة نفسها أو على مؤسسات المجتمع المدني أو على الجمعيات التطوعية أو على القطاع الخاص وإنما هي مسؤولية الحكومة إبتداء مشيرا الى الدولة هي الضامنة للحفاظ على حقوق مواطنيها وتمتعهم بحقوقهم الأنسانية الأساسية من مثل الحق بالحياة والأمن والآمان والحق بالتمتع بالصحة الجسدية والنفسية، والحق بالتعلم والحق بالسكن والحق بالمشاركة في الحياة العامة،
وقال أن العنف ضد المرأة يقوض كل هذه الحقوق ويؤدي إلى تكاليف إنسانية وأقتصادية باهظة تفقر الأفراد والأسر والمجتمعات كما وإنه يعيق التنمية الشاملة للوطن ويؤدي إلى إنهاء حياة النساء في كثير من الأحوال ومن هنا يجب أن توضع مسؤولية الدولة نحو التصدي للعنف ضد المرأة تحت الضوء لأنه لا مجال للفشل عندما يتهدد الأنسان بأبسط حقوقه وتدمر أسر تحتضن أطفالا وترعاهم وتتفشى الجريمة بالمجتمع. 
ويؤكد اخصائيون اجتماعيون ان قضية العنف ضد المرأة ليس أمر حتميا وليس قضاء وقدرا، فهو نتاج عوامل خطورة يمكن السيطرة عليها وهي قابلة للتغير إذا توافرت الإرادة السياسية وخصصت الموارد اللازمة للقضاء عليه.
مشيرين الى ان  مواجهة العنف ضد المرأة ليست مهمة اختيارية أو هامشية، وإنما يجب أن يستجاب له وللوقاية منه بالتنسيق بين جهات عدة ومتعددة القطاعات المهنية تكون الحكومة في طليعتها وضامنة للتنسيق بينها وتعمل على رصد أدائها والمساءلة عند الإخفاق.
 واضافوا ان هناك نساء يتعرضن للعنف وغير قادرات بالرغم من كل الجهود المبذولة للحد منه على تغير حياتهن الى الافضل حيث يؤثر العنف عليهن ويقودهن الى الاكتئاب الذي بدوره قد يؤدي الى سلوكيات خطيرة تنهي حياة المراة والام المعنفة في لحظة ما .