والدتـــــي تستقبل زائراتها بعزف «رقص الهوانم»

الرئيسية > المركز الاعلامي > الأخبار > والدتـــــي تستقبل زائراتها بعزف «رقص الهوانم»
Printer Friendly, PDF & Email
image

كانت سيدات عمان في الماضي أو في «زمان الخوالي» يرتبن لزيارة بعضهن البعض عن طريق تحديد يوم للاستقبال.
 و يتم في هذا اليوم الاسبوعي او الشهري تقسيم الزيارات على مجموعة الصديقات ، فوالدتي وكما اذكر كان يوم استقبالها لصاحباتها يوم الاثنين من اول كل شهر,وفيه تتجمع صديقاتها ابتداءً من بعد الظهر وحتى المساء .وكذلك تفعل صديقاتها فتعين كل واحدة يوماً لزيارتها وهكذا .
كان هذا اليوم حافلاً بكل المقاييس في تلك الايام طبعاً . كانت والدتي من الصباح تقوم بتجهيز مايلزم لتلك الزيارة ، فتبدأ مثلاً بعمل الحلويات وكان احد انواعها يسمى (تويتات وكرابيج حلب) .
والتويتات كانت تشبه القطايف ولكن بعجينة عادية وصغيرة الحجم ومحشوة بالجوز والسكر ومقلية شهية المذاق ، اما الثانية كرابيج حلب فهي ايضاً من نفس العجينة ولكن بدون حشوة تمرر بها العجينة على الغربال حتى تأخذ شكل الفتحات الموجودة فيه . .
وبعد ان تنهي ذلك بمساعدة اخواتي الكبار طبعاً يأتي بعد الظهر دور «الليموناده «، وفي ايامها لم يكن عندنا ثلاجة لذا كنا نذهب عند البقال وعادة يكون عنده قطع ثلج يشتريها من السيارة التي تبيع الواح الثلج والتي يحضرها من مصنع الثلج في شارع السلط بعد مبنى وزارة المالية.
 اقول يضع البقال قطع الثلج هذه فوق زجاجات الكازوز في الصندوق الاحمر الخاص بها ، المهم نشتري منه قطعة ثلج كبيرة ونأخذها للبيت لتضعها والدتي فوق الليموناده في اناء كبير حتى تشربها الزائرات مثلجة .

مراوح قش خشبية وسجائر للضيافة

وطبعاً لابد من وجود التسالي ، في البداية كنا نشتري خلطة التسالي من البقال ولكن بعد ان افتتح محمص شاهين في شارع بسمان الذي لا يزال يعمل حتى يومنا هذا اصبحنا نشتري منه تلك الخلطة وتضعها والدتي في صحون صغيرة امام الضيوف مع علب السجاير ، فمن العيب ان يدخن الضيف من سجائره ، لذا فإن صاحب البيت يجب ان يضع السجاير في غرفة الضيوف .
اما قضية الحر في الصيف ولعدم وجود مكيفات او حتى مراوح كهربائية فإن اغلب البيوت ومنها بيتنا كانت تضع مراوح قش بيد خشبية وكانت متداولة في كل البيوت تقريباً تحملها السيده وتحركها شمالاً ويميناً ، امام وجهها حتى يأتيها الهواء البارد ، وبعض السيدات كن يأتين ومعهن المروحة البلاستيكية كتلك المراوح الصينية التي تفتح او تفرد حين الاستعمال .
حين تبدأ السيدات بالقدوم يكون محرماً على الاولاد الجلوس او البقاء في البيت خاصة اخواني الكبار ووالدي الذي يبقى في مكان عمله حتى تنتهي الزيارة ، اما نحن الصغار فكنا نخرج الى الحديقة ومن الشباك المطل على غرفة الضيوف نشاهد ما يجري بالداخل وسوف اتي لذكره .

واحاديث عن سينما البتراء وافلامها

اقول حين يكتمل حضور السيدات وكن في تلك الايام يلبسن النقاب وهو عبارة عن منديل اسود يغطي الوجه واحياناً يكون المنديل طبقتين حتى لا تظهر ملامح وجه السيدة اطلاقاً وروب اسود طويل يلبسن تحته اللباس المخصص للزيارات .
المهم إن جلستهن تبدأ بقصص عن اخبار العائلات وعن الزواج وعن الخطوبة وعن الطلاق ، وكثيراً ماكن يتحدثن عن اخر الافلام السينمائية فإن كانت واحدة منهن قد ذهبت الى سينما البتراء مثلاً وشاهدت فيلماً ليوسف وهبي فإنها تحدثهن عن ذلك الفيلم الى اخر الاخبار الاجتماعية .
اما ما تقدم ذكره عن الحلويات والشراب فإنه يقدم خلال تلك الاحاديث ويمتلىء سماء الغرفة بدخان السجاير مع اكل التسالي وصوت الضحكات العالية لقصة مضحكة او نكتة عابرة .
في قمة الجلسة تأخذ والدتي العود وكانت تعزف على العود كأي عازف محترف وتمسك احداهن (بالدربكة) وتبدأ والدتي بعزف اشهر المقطوعات في تلك الايام وهي (ستي) (ورقص الهوانم) والصبايا والسيدات يرقصن على تلك الانغام الجميلة ، وكانت كل ام تطلب من ابنتها ان ترقص لتري الحاضرات مهارتها بالرقص عل وعسى ان يفتح الله عليها .
طبعاً يتخلل الرقص بعض الاستراحة لتقوم والدتي بالعزف لاحدى الصديقات التي تغني لأم كلثوم اغينة ياليلة العيد او بكرة السفر او بعض اغاني ليلى مراد واسمهان.
في هذا الجو البديع وهذه الامسية الرائعة تدخل احدى الصديقات غرفة الضيوف وقد لبست بمساعدة اخواتي بدلة رجالة وطربوش وقد دهنت وجهها بالقهوة لترسم لها شنباً وذقناً وهنا يتفاجأ الحضور بأن رجلاً قد دخل عليهن الغرفة . وهنا يبدأ الصراخ من ناحية من لم تكتشف المقلب ، والضحك من الناحية الاخرى لمن كانت تعرف ذلك المقلب سابقاً .
وتبدأ المرأة المتنكرة بلباس الرجل بالرقص امام السيدات وبحركات مضحكة جداً وتسحب خلالها بعض الفتيات ليرقصن معها وتتعالى الضحكات والقفشات ، وتستمر هذه النمرة الضاحكة فترة من الوقت حتى ان بعضهن يخرجن من الغرفة حتى يستطعن التوقف عن الضحك .
تنتهي الزيارة في ساعات المغرب على امل اللقاء في زيارة لاحدى الصديقات في الاسبوع القادم .
كل تلك البساطة وتلك الحياة غير المتكلفة كانت تسعد لها تلك السيدات ، لم تكن الحياة معقدة ولم تكن المظاهر التي قتلت روح المجتمع قد وجدت بعد ـ لم تكن الملابس عقدة المجتمع الان موجودة ولم تكن الاستغابة والنميمة ، لم تكن الفلوس الكثيرة قد افسدت ضمير وذمة الناس ، امور كثيرة يمكن ذكرها الان ولكنني اتوقف واتحسر على تلك الايام التي مضت لغير رجعة وهي ايام الزمن الجميل .