عمان- حلموا وكبروا وكلما كبروا إنشا كبرت أحلامهم ذراعا حتى صارت أحلامهم أكبر منهم، ولم يدرك أبناء الأردنيات المتزوجات بغير أردني أن أحلامهم ستتحطم على صخرة الحرمان من الجنسية والتي ستكون بمثابة سهم بخاصرتهم سيضطرون لمواجهته بعد سن البلوغ عندما يحتاجون الجنسية للدراسة الجامعية أو للسفر أو للوظيفة وغيرها من آلاف الحاجات.
مؤيد أحد أولئك الذين أنهوا الثانوية بتفوق ولم يتمكن من مواصلة التعليم الجامعي، فقد رفض طلبه المقدم للجامعة بذريعة أنه لا يحمل أوراقا ثبوتية إلا شهادة ميلاده، فهو ابن لأردنية تزوجت قبل ثلاثين عاما من فلسطيني يحمل وثيقة سفر مصرية لم يورثها لأبنائه بعد وفاته.
هاشم (26 عاما) يحلم بزيارة الديار المقدسة لأداء العمرة، لكنه لا يستطيع ذلك، والسبب أن لا جواز سفر بحوزته يخوله السفر، وهذه ليست أكبر مصائب هاشم الذي طرد من عمله كمحاسب، عندما احتاجته الشركة ليكون مفوضا عنها لدى بنك لتسيير أعمالها، فطلب البنك بعض الوثائق من هاشم من ضمنها هوية أو جواز سفر وعندما أخبر الشركة بحاله، طردته بحجة أنها لا تريد الدخول في متاهات، وكل ما تريده تسيير أعمالها ببساطة.
هاشم العاطل عن العمل منذ خمسة أشهر يقسم أنه لن يتزوج، لأنه لا يريد لأبنائه معاناة قاسى منها الأمرين، مع ذلك يصر هاشم، الذي يؤلمه رؤية أمه تبكي لشعورها بالمسؤولية تجاه مأساة أبنائها، أن الحل لمشكلته هو ومن مثله من أبناء الأردنيات بإعطائهم الجنسية، مؤكدا أن هذا حقهم الذي كفله الدستور لهم.
الفتيات ممن لا يحملن رقما وطنيا قد يكون حالهن أرحم من الذكور، فأغلبهن يحلم بزوج يحمل رقما وطنيا وبهذه الطريقة، يحصلن على الجنسية منه.
ورغم أن هذا يعتبر حلا للفتيات، إلا أنه يرسخ غصة لديهن لأكثر من سبب قد يكون أبسطها، عدم قدوم ذلك الفارس الذي سيأتي على يده الفرج، ولكن بعض الفتيات ممن يعانين من هذه المشكلة يرفضن اللجوء إلى هذا الحل، فهن يعتبرنه ترسيخا لمشكلة الأردنيات المتزوجات من أجانب اللواتي حرمن من حق منح أبنائهن الجنسية، مع أن الدستور منح الأردني، سواء كان ذكرا أو أنثى، الحق بإعطاء جنسيته لأبنائه.
هذا الرأي تتبناه إحدى عضوات صفحة أنشأتها إحدى الناشطات على الفيسبوك بعنوان "أمي أردنية وجنسيتها حق لي" حيث تقول إن حرمان الأردنية من إعطاء جنسيتها لأبنائها تمييز ضد المرأة ومخالفة للدستور الذي يساوي بين الذكر والأنثى.
وفاء، وهي ابنة عشرينية لأردنية متزوجة من مغربي، تقول انها لم تعرف وطنا غير الأردن وعاشت فيه طوال عمرها، ومع انها تحمل جنسية والدها لكن المشكلة أن ظروف عائلتها المادية السيئة حالت دون إكمالها للتعليم، حيث يحرم من لا يحملون رقما وطنيا من الدراسة مجانا في المدارس والجامعات، كما أنهم لا يتمكنون من العلاج في المستشفيات الحكومية.
حرمانهم من جميع الخدمات المقدمة لمن يحملون رقما وطنيا جعل وفاء وأشقاءها يعانون الأمرين، فالوالد كبير في السن ولا يستطيع العمل والأم تعمل في خدمة البيوت لتربية أبنائها ومع ذلك فوضعهم المادي "سيئ جدا"، على حد قولها.
مأساة من نوع آخر يعيشها مروان، وهو الآخر عضو في صفحة "أمي أردنية وجنسيتها حق لي" فهو قضى الواحد والعشرين عاما الأولى من عمره يعامل كالأردني، حيث ولد في العام 1979 من أب فلسطيني وأم أردنية كانت تحمل بطاقة صفراء، لينفصل والداه بعد عامين ولتعود الأم إلى الأردن مع ابنها ليسجل على بطاقتها.
عندما بلغ مروان 17 عاما ذهب في زيارة للضفة الغربية بجواز سفر للأردنيين، وأثناء زيارته التي استمرت ستة أشهر أصدر هوية فلسطينية لتبدأ معاناته مع صدور الهوية بحسب قول مروان.
لدى رجوعه إلى عمان أصدرت له الجهات المختصة بطاقة خضراء ومنذ العام 2000 يقول مروان إنه سحب منه الرقم الوطني وطلب منه تغيير شهادة ميلاده للجنسية الفلسطينية.
يقول مروان "أنهيت كل دراستي في الأردن، ومنذ الصف الأول إلى أن تخرجت من الجامعة وأنا أعامل على أنني أردني، وحين فك الارتباط في العام 1987 كنت متواجدا في الأردن وجلست بها حوالي 30 سنة وأمي أردنية وأنا متزوج من أردنية ولدي طفلان".
صاحبة صفحة "أمي أردنية وجنسيتها حق لي" نعمة الحباشنة التي يعاني أبناؤها من نفس المشاكل كونها متزوجة من أجنبي، تقول إنها ومنذ ست سنوات تحاول ايصال صوتها وصوت من يعانين من نفس مشكلتها من الأردنيات إلى الجهات المختصة، ولكن لم تسفر جهودها عن تحقيق مبتغاها بالسماح للأردنيات المتزوجات من أجانب منح جنسيتهن لأبنائهن.
الحباشنة التي أنشأت الصفحة قبل عامين على الفيسبوك استطاعت ضم عدد من الأردنيات وأبنائهن ممن يعانون من المشكلة ذاتها إلى الاشتراك في عضوية الصفحة، وتأمل قريبا بإنشاء جمعية لتشكيل قوة ضاغطة على الحكومة للاستماع لمطالبهن وتنفيذها.
بدورها، لم تغفل المنظمات النسوية عن هذا المطلب، وأغلبها يضعه كأولى أولوياته مثل اللجنة الوطنية لشؤون المرأة التي أكدت في لائحة مطالب قدمتها للبرلمان ورئاسة الوزراء والديوان الملكي ضرورة إعطاء المرأة المزيد من حقوقها بتعديل أحكام قانون الجنسية الأردني بما يكفل الالتزام بتطبيق حكم القانون الذي يضمن حق أبناء المرأة الأردنية في التمتع بجنسية أمهم تطبيقاً للفهم والتفسير السليم لأحكام الدستور والقانون ومبادئ المساواة وتنفيذاً لما أعلن في قمة المرأة العربية وأسوة بما اتخذته عدة دول عربية من تعديلات قانونية بهذا الخصوص.
أيضا طالبت اللائحة بالنص على حق زوج الأردنية المقيم في البلاد الحصول على الجنسية أسوة بزوجة الأردني، ووضع معايير وضوابط وشروط تكفل إعمال هذا الحق بصورة تراعي حماية المصالح الوطنية العليا وسيادة الدولة ومقتضيات المصلحة العامة شريطة أن لا تنطوي هذه الضوابط والمعايير على تمييز ضد النساء.
المنظمات النسوية التي عملت على مدار سنوات كثيرة على هذا الملف، لم تنجح في تحقيق مطلبها كون الحكومات المتعاقبة اعتبرت أن إعطاء الجنسية لأبناء الأردنيات "مطلب سياسي" في إشارة إلى أن أغلب الأردنيات المتزوجات من أجانب هن زوجات لفلسطينيين وبذلك، بحسب هذه الحكومات فإن "إعطاء الجنسية لأبنائهن تفريغ للأراضي الفلسطينية من أبنائها والمساعدة على التفريط بحق العودة".
الذريعة التي تسوقها الحكومات المتعاقبة ترد عليها المنظمات النسوية باقتراح اقتصار مطالبهن على تسهيل إجراءات عمل أزواج الأردنيات المتزوجات من أجانب وإعطاء أبنائهن بعض الحقوق مثل حق التعليم في المدارس الحكومية وحق المعالجة الصحية.
وتؤكد الناشطات أنه من خلال مراجعة مصادر الدخل للأسر التي تضم أردنيات متزوجات من أجانب تبين أن أغلبها يعاني من ثقل الأعباء الاقتصادية والنفسية الناتجة عن عدم السماح لأزواج الأردنيات وأبنائهن بممارسة العمل وصعوبات الحصول على إذن عمل أو تجديد تصاريح العمل، علاوة على الأعباء المادية التي تتحملها العائلة من رسوم الإقامة والتعليم والعناية الصحية.
الباحثة نيرمين مراد من مركز المعلومات والأبحاث الذي أعد دراسة بعنوان "التمييز ضد الأردنيات" تؤكد أن قانون الإقامة وشؤون الأجانب وتعديلاته رقم 24 لعام 1973، نصت المادة 22 منه على أن المرأة الأردنية لا يمكن أن تعطي حق الإقامة لزوجها الأجنبي واقتصر هذا الحق على الأردني المتزوج من أجنبية التي يمكن أن تحصل على إذن الإقامة لمدة خمس سنوات بعدها تتقدم للجنسية.
واعتبرت مراد أن هذا تمييز ضد المرأة، كما أن المادة 26 من قانون الإقامة نصت على سبع حالات يمنح الأجنبي إذن الإقامة على أساسها ولا يوجد ضمن هذه الحالات ذكر للأجنبي المتزوج من أردنية أو لأبنائها، وهذا بخلاف الأجنبية المتزوجة من أردني والتي تحصل على إقامة بحسب نص المادة 22.
وقالت مراد "لم يساو قانون الأحوال المدنية رقم 9 لسنة 2001 بين الرجل والمرأة فيما يتعلق بحقها بضم أبنائها لدفتر عائلتها".
رئيس مجلس النواب فيصل الفايز وعد قبل أسبوعين أثناء لقائه وفدا نسائيا من جمعية النساء العربيات، بفتح حوار وطني حول منح الأردنيات الجنسية لأبنائهن ما أوجد نوعا من التفاؤل بقرب ايجاد حل لهذا الملف.
وقال الفايز إنه يؤيد القوانين التي "تنصف المرأة وتحميها وتصون كرامتها". مبينا أنه سيلتقي بالنساء مرة أخرى ويضعهن بصورة ما تم التوصل إليه.
من جهته، ذكر النائب فواز الزعبي أن الحكومة "منحت" الجنسية لأشخاص لا يعرفون الأردن ولا يعيشون به بحجة الاستثمار الذي لم يأت بعد، مشدداً على ضرورة منح المرأة الأردنية حق تجنيس أولادها.
الناشطة في مجال حقوق المرأة رحاب القدمي تقول إنه جاء في المادة التاسعة من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة أن من حق المرأة منح جنسيتها لأبنائها إلا أن الأردن تحفّظ على هذه المادة لمخالفتها لقانون الجنسية الأردني الذي ينص على أن من ولد لأب أردني فهو أردني وأن أبناء الأردنيين أردنيون أينما ولدوا.
القدومي تقول إن قانون الجنسية يخالف أحكام الدستور الأردني الذي ينص على أن الأردنيين أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا بالعرق أو اللغة أو الدين.
الحل بنظر القدومي إيجاد محمكة دستورية، مؤكدة ان غيابها يحرم المرأة من حق الطعن بالقانون لمخالفته لأحكام الدستور.
وتقول القدومي "قانون الجنسية الأردني يعطي الجنسية للقيط المولود على الأرض الأردنية، فمن الأولى أن يعطي الأبناء المعروفة والدتهم من جذور أردنية".








5118, Amman 11183, Jordan