عمان - كشفت التنوّعات التقنية الجرافيكية، وأبانت مخرجاتها البصرية في معرض التشكيلية نعمت الناصر، عن مذاقات تعبيرية خاصة، توالدت في مسار تجربتها من الحوار المفتوح بين الرؤية والتقنية، على إغراءات التجريب والتجديد.
الانفتاح على حرية التعبير والتجريب في معرض الناصر، المتواصل في غاليري دار الأندى بجبل اللويبدة حتى نهاية شهر نيسان (إبريل) الحالي، اقترن لديها مع انفتاح آخر على تنوّع الوسائط والتقنيات الجرافيكية، إضافة إلى سلسلة أخرى من الكشوفات التعبيرية التي أطلّت من خلالها الفنانة على مخبوءات العالم المرئي.
نتعرف مع أعمال المعرض البالغة 45 عملا فنيا، على التقنيات المختلفة والتعبيرات الحيوية المتنوعة التي أكسبت أعمال الناصر روحية خاصة بها، وأضفت عليها مسحتها المستمدة من وسائط التعبير الجرافيكي وتقنياته العديدة، التي نفّذت من خلالها جلّ اعمال معرضها، خاصة تقنية الحفر على الـ "كارت بورد" والزنك، إضافة إلى الخشب واللينوليوم.
وباقترابنا من روحية تكويناتها وصياغاتها التشكيلية المعاصرة، نقترب مع أعمال الفنانة، التي أقامت معرضها الأول العام 1989 في المركز الثقافي الإسباني، من جملة الإيقاعات التجريدية والتعبيرية، في إطار تكويناتها الجمالية ومضامينها البصرية، حيث الترابط والتوارد بين الخط والمساحة اللونية، يكسبانها فاعليتها التي تمور بالحيوية والحركة الداخلية.
ومع ليونة خطوطها وخفة تعاقبها على اللونين الاسود والأبيض، نتعرف في أعمال الناصر، المتفرغة حاليا للإشراف على محترف الفنون الجرافيكية في المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، ونتعرف على تراجيدية التعبير السحري الذي ينطوي الجسد الإنساني في تشكلاته مع ذاته، وفي حواراته وتماهياته مع سياق محيطه وبيئته.
وفي السياق ذاته حرصت الفنانة في العديد من أعمالها الجرافيكية التي تمتاز، على رصد الإيقاع الداخلي للإنسان وانحيازها إلى آماله وتوجساته، وذلك عبر تتبع الدفق التعبيري على ملامحه وحركة جسده المسكون برغبة التحرر والانعتاق، ومعاينة انثيالاته الوجدانية والوجودية، وضبط مفارقاتها على السطح الجرافيكي بيسر واقتدار.
تنطوي الصبغة التعبيرية والتجريدات الحيوية في أعمال الناصر، التي تعتبر تنوع التقنية والتعبير لديها قرينا بتنوع الحياة وغنى موضوعاتها، وتتغذى بإشارات رمزية توحي بموضوع العمل، من دون أن تحدد منطلقه، أو تعاين وجهته السردية.
كما تضعنا أعمالها، سواء تلك التي تتناول فيها موضوعة المرأة أم المكان والبيئة، بصياغاتها المتوزعة جلّها بين التعبيرية والتجريدية، أمام عوالم التأثير البصري الذي تغذيه بالملامس والتباينات التشكيلية، التي تتآلف فيما بينها عبر وحدة الحركة والمفردة البصرية.
وحول تنوّع تقنيات التعبير وأساليبه الفنية، بيّنت الناصر في حديثها إلى "الغد" أن ذلك التنوّع مرتبط بتنوع المواضيع التي تعبّر عنها، رائية أن الموضوع نفسه يفرض طريقته في التعبير، ويصيغ أسلوبه في الإنشاء والتقنية والتكوين، ضمن السياقات التي تحفل بها الاتجاهات والأساليب الفنية التي تخص صياغات وتمثيلات فن الجرافيك المعاصر.
ويرى الفنان والناقد العراقي يوسف عبدلكي، أنه يمكن بشيء من التبصر، إدراج الانتقالات التقنية والأسلوبية لدى نعمت الناصر "إلى تيار فني ينتقل من غصن إلى آخر من دون ثبات على قرار أسلوبي أو تقني حتى عندما يتملك ذلك"، مبينا "أن الأمر لا يؤشر إلى أي تفضيل قيمي لتيار على آخر".
ويذهب، إلى أن الفنانة "لا تزال متمسكة بعقيدة البحث أكثر من ميلها لإسناد رأسها إلى إنجاز ما".
ويبين عبدلكي، أن الفنانة "بعد أكثر من عشرين عاما من العمل تبدو مأخوذة بقلقها ومتمسكة بروح البحث تريد لتساؤلاتها نفسها أن تتسلل إلى قلب الناظر وكأنها تريد له وهو واقف أمام عملها أن يحس أنه إنما يرتجف على خيط مشدود بين جبلين من جبال عمان".
فيما عدّ التشكيلي محمد الجالوس، نعمت الناصر فنانة مسكونة بالبحث "تؤرقها اللوحة وتحملها دائما إلى حدود الدهشة، انتظارا للنتائج وسطوة الأحماض وهي تحفر في خطوط أسست لها وحاكتها بخبرة تزيد على الربع قرن"، لافتا إلى أن الناصر تشبه إلى حد كبير لوحتها، من حيث "صوتها الخافت واعتدادها الخفي ورهانها الدائم على بحثها وخبرتها".
ويبقى مَرد الاقتراب من العلاقات المنذورة لحركية التنوع والاختلاف في تجربة الناصر، مقترنا بالوقوف على التخوم المتحركة للقلق، أكثر من اقترانه بدعوة البقاء في هدأة اليقين، أوالمكوث بين العلاقات المنسوجة لسكونية الوحدة والائتلاف.
وعلى ذلك النحو، تترسّخ نظارة التجربة ومغامرة البحث والتجريب في أعمال الناصر، التي أنهت دراستها الفنية من قسم الجرافيك في جامعة دمشق العام 1981، لتصبح أعمالها الفنية ذاتها صنواً للتنّوع والاختلاف، اللصيقين على الدوام بجوهر "القلق الخلاّق".
هذا ما تبسطه لنا تجربة التشكيلية نعمت الناصر، وتشير إليه بوضوح جلّ تجربتها على مدار العقدين الماضيين، وعلى وجه الخصوص أعمالها الجديدة التي تعدّ استمرارا لتجربتها الجرافيكية، وتطويرا على فاعلية منحاها التعبيري المفتوح على آفاق التجريب والتجديد.








5118, Amman 11183, Jordan