كان من أبرز الملامح الإيجابية والعلامات الفارقة للربيع العربي، هو المشاركة الرائدة والنوعية للمرأة العربية في الاحتجاجات والثورات التي أدت إلى سقوط الأنظمة الدكتاتورية. لقد انطبعت صور الشابات في تونس ومصر واليمن وسورية في أذهان المشاهدين وهن يهتفن للحرية والديمقراطية؛ صورة لا أجمل ولا أبهى، لأنها فجرت الأمل بمجتمع جديد ديمقراطي، تسوده المساواة والعدالة لكل أبنائه وبناته.لم تكن مشاركة المرأة شكلية في هذه الثورات، بل كانت جوهرية وأساسية، ابتداء من تنظيم الاحتجاجات والمشاركة في التظاهرات، إلى المجابهة مع أجهزة القمع إلى حماية المتظاهرين ومداواة جراحهم، وتأمين المأوى لهم.لم نسمع شعاراً أو نرَ لافتة تحملها امرأة في هذه الثورات تطالب بحقوق المرأة، أو تطرح قضايا خاصة بالمرأة. بالطبع، ليس معيباً أن تطرح المرأة هذه القضايا، ولكن المرأة شاركت كبقية مكونات المجتمع في هذه الثورات، وهي تصبو إلى مجتمع ديمقراطي ودولة مدنية تقوم على المشاركة الفاعلة لكل مكونات الشعب، وتحقق العدل والمساواة. وفي حالة أن تم ذلك، تكون المرأة قد حصلت على حقوقها، ورفعت الظلم التاريخي عنها.لقد لعبت المرأة العربية دوراً مساوياً للرجل في الربيع العربي، فهل حصلت على نتائج متساوية مع الرجل؟إن الحقيقة المرّة حتى الآن هي أن القوى السياسية التي تتبوأ قيادة هذه المجتمعات بعد الثورة، قد عملت على تهميش المرأة. وبدلاً من أن يحصل تقدم في واقع المرأة وحقوقها، تتعرض المرأة لخسارة جزء من حقوقها ومكاسبها في الأنظمة السابقة. وحتى في تونس، فقد تراجعت نسبة النساء في المجلس الوطني التأسيسي من 23% قبل الثورة إلى 19% بعد الثورة، وهناك مؤشرات على أشكال أخرى من التراجع. وفي أغلب الحالات الأخرى قد تتعرض حقوق المرأة السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى انتكاسة كبيرة نتيجة للأيديولوجيا المحافظة للقوى التي تحكم هذه المجتمعات، والشكوك حول مدى التزامها بالديمقراطية وحقوق الإنسان والمرأة. يبدو أن هناك تحالفاً غير معلن بين قوى الإسلام السياسي بأنواعه المختلفة، وبين بقايا النظام الأبوي على إعادة إنتاج النظام الأبوي والممارسة على الدور والموقع التقليدي للمرأة. فبدءاً بليبيا، وفي أول خطاب لرئيس المجلس الوطني الانتقالي بعد الإطاحة بالنظام السابق هناك، أفصحت الثورة عن نواياها حول المرأة، وتراجعت عن المكاسب الضئيلة التي كانت تتمتع بها في النظام السابق. كذلك الحال في مصر، فإن التحالف غير المعلن بين العسكر والإسلاميين لا مكان للمرأة فيه. إن ضرب وتعرية إحدى المتظاهرات في ميدان التحرير، والتي شاهدها ملايين البشر، واختبارات العذرية المخزية التي كانت تجريها الشرطة للنساء المتظاهرات، لها دلالات رمزية بالغة حول نظرة النظام الانتقالي في مصر. كذلك، فقد اختفت النساء اللاتي أطلقن شرارة الثورة في سورية، ولا يوجد سبب لنعتقد بأن نتائج الثورة في سورية ستكون أفضل للمرأة من نظيراتها في الدول العربية الأخرى.إن حصول توكل كرمان على جائزة نوبل للسلام كان اعترافاً بشجاعة المرأة العربية ودورها في المسار السلمي للثورات في تونس ومصر واليمن، ولكن حتى الآن يبدو أن الربيع العربي بنتائجه ربيع للذكور فقط. ولكن الصراع على الشكل النهائي للأنظمة السياسية في هذه المجتمعات لم ينتهِ بعد، وسوف تكون المرأة جزءاً أساسياً في هذا الصراع، ولن تعود لتجلس في المقعد الخلفي ثانية.








5118, Amman 11183, Jordan