عمان- على مدى ثلاثين عاما وأكثر اعتادت الخمسينية أم أحمد على سماع الشتائم والألفاظ النابية من زوجها، من دون أن تفشي "سرها" لأحد، خوفا من أن تؤثر المشاكل بينها وبين زوجها على أبنائها.
وبنفس الوقت لا تنفي أم أحمد، أن صبرها على أسلوب زوجها "الخشن"، وفق وصفها، كان من أجل الأبناء فقط، مبينة أنها توقعت مع الوقت ان يطرأ تغيير على تعامل زوجها ويتجنب استخدامه "الألفاظ الدونية"، التي تحط من قيمتها وكرامتها، لكنه لم يبدل من تصرفاته ما اضطرها أن تتعايش مع كلامه الجارح رغم الألفة والعشرة.
وتعترف أن تلك الألفاظ المستخدمة، تسبب لها مشاكل نفسية، تتجاوزها في بعض الأحيان.
ولكن أولادها الذين شبوا على مثل تلك المعاني والألفاظ والإهانات "كبروا وهم ناقمون على أسلوب والدهم، "حتى أن ابني الذي تزوج ورحل إلى منزل آخر أصبح يتحاشى المجيء إلى بيتنا في بعض الأوقات العصيبة، خوفا من أن تسمع زوجته، وأطفاله الصغار ألفاظا يمكن أن تزعجهم" وفق قولها.
وتستغرب الطالبة الجامعية العشرينية حلا، أن يكون والدها هو الشخص ذاته، الذي تراه في العمل، وتقول "والدي يعمل في الجامعة التي أدرس بها في إحدى الوظائف الادارية، ولا أراه في العمل بأي موقف عصبي، يمكن أن يتلفظ بألفاظ نابية كما في البيت".
وتصف كيف يقوم والدها عندما يحدث خلاف مع والدتها، بكيل الالفاظ غير المتوقعة، والتي تحط من قيمة الانسان، ناهيك عن بعض الألفاظ التي تضيق الخناق مثل مسبة الأخلاق وأهل الزوجة وغيرها، منوهة أن "والدتي تتلاشاها بعد وقت قصير، من باب اعتيادها على الأمر".
ولأن الإهانة غير متعلقة بالزوجة، فيبدي سائد (28 عاما) الموظف في القطاع الخاص قلقه حيال تعامل والده معه، حيث مايزال لغاية اليوم، وعند أية مشكلة أو موقف يوجه الإهانة والشتيمة إليه دون أدنى احترام كونه شابا يعتمد على نفسه، حتى لو كان ذلك على مرأى الناس وفي الأماكن العامة أو بوجود الأقارب.
ويستهجن انتهاج والده هذا الأسلوب، فإذا لم يعجبه أي موقف من أحد أفراد العائلة خصوصا والدته؛ يبدأ بالسب وكيل الشتائم في جميع الاتجاهات، ما بات يسبب الضغط والكبت النفسي في كيفية التعامل مع شخصية والده، التي لم تتغير رغم مرور سنوات.
تعود المشكلة بحسب أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأردنية د. حسين خزاعي، إلى التنشئة الاجتماعية الخاطئة من قبل الأهل، والتقليد الأعمى للآباء، الذي ينتقل من جيل إلى آخر، منوها أن الألفاظ النابية يكون أثرها على الأطفال أكبر.
ويجد أن الألفاظ النابية التي يطلقها الرجل ضد المرأة، أو أفراد العائلة، نوع من أنواع العنف، الذي تتحمله الزوجات، تحسبا وخوفا من الطلاق، وتشرد الأبناء وغيرها من الأمور التي يزرعها المجتمع لدى الزوجة، لافتا إلى أن صمت المرأة على هذا العنف اللفظي، في أول مرة تتقبل به الإهانة، يدفع الأزواج في مرات أخرى للتمادي، واستخدام العنف اللفظي بشكل أكبر، الأمر الذي قد يحوله إلى عنف من نوع آخر.
ويطرح الخزاعي عدة حلول لتلاشي تلك القضية بين الأزواج، إذ على المرأة في البداية عدم الصمت، والتخلص من هذه السلوكيات عن طريق الحوار الهادئ، حيث يعلم كل طرف من الأزواج بحقوقه وواجباته الانسانية، ومن دون أي نقصان وجحود بحقوق الطرف الآخر، فيما عكس ذلك، فإن العنف سيتولد بين الطرفين، ويمكن أن تتطور الأمور باللجوء إلى اختصاصي إرشاد أسري.
"الأثر النفسي الناتج عند إهانة أي فرد سواء كانت الزوجة أو غيرها من أفراد الاسرة، يؤدي إلى تكوين ما يسمى " قلة الثقة بالذات"، وانخفاض معنويات الانسان"، وفق اختصاصي علم النفس الدكتور جمال الخطيب، الذي يبين أن المرأة التي تتحمل الإهانة من زوجها، تبدو في حالة من "العزلة". ومنكمشة على ذاتها، وتصل إلى هذه المرحلة تحت ذرائع كثيرة منها، الحفاظ على الأولاد، أو عدم وجود مكان تلجأ إليه، وعدم القدرة على الرد على زوجها بذات الشكل، وكل ذلك يؤثر على تربية الأبناء.
فإذا شاهد الأبناء مظاهر الظلم والعنف على والدتهم، تصبح الاهانة بالنسبة إليهم أمرا مقبولا، بحسب الخطيب، فيعمدون إلى ممارستها أمام المجتمع ويتقبلونها بشكل عاديّ من قبل الآخرين، معتقدا أن الأمر يجب أن يعالج؛ إذ تعمد المرأة منذ بداية زواجها إلى مشاركة الزوج بعض المفاهيم، ومنها "الاحترام" عند حدوث خلاف، وكذلك أن توصل إليه رسائل بأنها لا تقبل الإهانة، وأية الفاظ جارحة توجه إليها.
ويشدد على أهمية احترام الذات والكيان الإنساني، وضرورة فتح حوار مع الزوج، الذي لا ينقطع عن استخدام الألفاظ النابية بحق زوجته وأبنائه، لتغيير اسلوبه واحترام كيان الزوجة، خصوصا أمام الأبناء.
ميل الزوج لاستخدام الألفاظ النابية تجاه زوجته "مرفوض نهائيا"، وفق اختصاصي الإرشاد الأسري والتربوي محمد أبو السعود، وإن كان ذلك في حالات فقدان السيطرة والعصبية وغيرها، خصوصا أمام الأبناء، وكذلك أن يعترف الرجل بمشكلته وقدرته على العلاج، والابتعاد عن المؤثرات التي تشعره بالغضب.
ويؤكد أبو السعود أهمية التفكير بالحوار قبل اللجوء إلى العنف اللفظي، والتفكير بالأبناء، لأن الرجل يجب أن يكون أنموذجا وقدوة "إيجابية" للأبناء، وإذا لم ينجح الأمر فإن الرجل عليه أن يخضع لبرنامج تعديل السلوك، وهذا يرتبط بسمات الشخصية وقدرة الرجل على التكيف مع الوضع الجديد.








5118, Amman 11183, Jordan