عمان- لمذاق أكلات "ست الحبايب" طعم خاص، إذ يسارع الأبناء المتزوجون إلى تناول ما تطهوه أنامل أمهاتهم، حتى لو كانت مكونات "الطبخة" بسيطة، إلا أنها بنظرهم تعد الأشهى والألذ بالنسبة إليهم، ما يشكل الغيرة في نفس الزوجات اللواتي يشعرن بأن مجهوداتهن الفنية بالطهو باءت بالفشل.
ويغتنم الثلاثيني فادي العناسوة، الفرصة عندما تقوم زوجته بإعداد وجبات الطعام، لتذكيرها بالأطباق الشهية التي تعدها والدته، ويكرر على زوجته في كل مرة يتناول فيها الطعام "اسألي أمي كيف تطبخها، واعملي زيها"، مضيفا "أطباق الطعام التي تعدها والدتي لها ميزة خاصة تختلف عن أي طعام آخر".
ويقول"إن الطريقة العشوائية في الطبخ التي لا تخضع لمكاييل وأوزان، ربما هي التي تعطي طعما مميزا للأطباق التي تعدها والدتي، فيما تقوم زوجته بتحضير قائمة طويلة من الأغراض عند اعداد وجبة طعام ولكن دون أي نكهة".
ويستجهن العناسوة استعمال زوجته في الطهو لأنواع كثيرة من البهارات، "ومع ذلك لا نكهة للطبخة"، فيما والدته تستعمل "الملح والبهارات والتي لا يتعدى سعرها الدينار، ومع ذلك فطبيخها روعة"، وفق وصفه.
وما يزال الثلاثيني محمد خليفات، الذي تزوج منذ عامين يتناول الطعام عند أهله، إذ يقول "لايمكنني أن أشبع إذا لم آكل من طعام أمي، لأن النكهة المميزة لطعامها لا أجدها في الأطباق التي تعدها زوجتي، التي حاولت كثيرا في أن تقلد طبيخ أمي، ولكن دون جدوى".
ويدرك خليفات، مدى الغيرة التي تشعر بها زوجته من هذا الأمر، فهو لا يكترث لغضبها، إذ يؤكد أن ذلك ليس بيده فلا يمكنه أن يضحي "بطعمة فمه" على حد تعبيره.
وتسعى الزوجة كما هو معروف إلى كسب رضا الزوج، كما يقال "عن طريق معدته"، لذلك تتعالى شكاوى النساء، خصوصا اللواتي لم يمض على زواجهن سوى سنوات قليلة، فالأمر يشكل تحديا لقدراتهن، فأكثر ما يستفز العشرينية رنا أبونوار، إصرار زوجها أن أمه هي الوحيدة التي تجيد الطبخ، وأن "باقي الأكل تخبيص".
وما يثيرها تلك العبارات التي يرددها زوجها، في وجهها بشكل دائم: من قبيل "أمي بتطبخها أزكى"، "مش حاس بطعم الأكل"، "تعلمي من أمي الطبيخ الزاكي كيف بتعمل".
وتخشى الثلاثينية حنان الفاعوري، المخطوبة حديثا، من فكرة "الطبيخ" بعد الزواج، خصوصا وأنها تعلم مدى تعلق خطيبها بطعام أمه، الذي يضاهي أي طعام، "ودائما خطيبي يكرر أن أكل أمه مميز، ولها طريقة طبخ مختلفة"، حسب ما تقول.
وتشير إلى أنه في كل مرة يلتقي معها يقول لها "أحب الأكلة هذه من أمي ونكهة أكل أمي مختلفة"، الأمر الذي دفعها للبدء بأخذ "دروس" تعلم الطبخ عند والدة خطيبها حتى "مايقلب عليها".
ولا يقتصر الأمر على الازواج في الدول العربية، فمثل هذه الظاهرة موجودة في الدول الغربية، حيث أظهرت دراسة حديثة في بريطانيا، أن معظم الرجال يفضلون طبيخ أمهاتهم على ما تعده زوجاتهم.
ويشير الاستطلاع الذي شمل ألفي رجل من شبكة "الطعام" البريطانية، إلى أن الأمهات يحضّرن عادة وجبات تقليدية بيديهن، ولا يعتمدن كثيراً على الأطعمة الجاهزة أو تلك التي تسخن بـ "المايكروييف" على عكس النساء الشابات، وكذلك فإن الأمهات قادرات على تحضير مجموعة متنوعة من الأطباق، ويحرصن على تحضير الوجبة المفضلة لدى أبنائهن.
ويتسلل واحد من أصل 4 رجال إلى منزل والدته، بحسب الاستطلاع، من دون معرفة الزوجة لتناول طعامه المفضل، كما أن واحد من أصل 10 منهم، يرى ان زوجته تشعر بالكثير من الضغوط في سعيها، لتكون بمستوى حماتها في الطبخ، وأن 13 % من الرجال فقط طلبوا من زوجاتهم أن يتعلمن الطهو من حمواتهن.
يرجع اختصاصي علم الاجتماع الأسري الدكتور مفيد سرحان، ميول الشباب إلى طعام أمهاتهم، لأنهم أمضوا سنوات عديدة وهم يأكلون من طعام أمهاتهم، وهو معتاد على نمط معين من الصعب تغييره بسهولة، إلى جانب أن الجزء الأكبر من الفتيات لا يتقن فن الطبخ، وعدم ميول الفتيات للاهتمام بهذا الجانب على اعتبار أن الاهتمام به يقلل من قدرهن.
ويرى سرحان أن الاهتمام في هذا الجانب، كان كبيرا في السابق، حتى إنّ المناهج المدرسية كانت تحتوي على مواد مخصصة بفن الطهي والتدبير المنزلي، إلى جانب وجود الكثير من الفتيات لا يستطعن أن يعملن أي شيء، الأمر الذي يدفع الزوج للرجوع إلى أمه.
وينصح سرحان، حتى يتم تلافي الأمر، فإن على الزوجة أن تثبت وجودها في المنزل، من خلال إتقانها لفن الطهي، كما أن عليها أن تمنح زوجها الوقت الكافي حتى يعتاد تغيير أنماطه السلوكية المتعلقة بالطعام وأن تقدم له ما هو مقنع لجذبه.
ولا يقتصر الدور، بحسب سرحان، على الزوج والزوجة، بل لابد أن يكون هناك دور إيجابي للأمهات لتدريب الزوجة على اتقان الطبخ، شريطة أن يكون لدى الزوجة الاستعداد للتعلم، إلى جانب تشجيع إبنها على تناول طعام زوجته وعدم انتقاد طعامها، خصوصا في الشهور الأولى من الزواج.
ويجد اختصاصي علم النفس الدكتور محمد الحباشنة، أن كثيرا من النساء يمكن أن يتفهمن هذه الظاهرة، لاسيما عند وجود مبررات منطقية لتفضيل طعام أمهاتهم بحكم قضاء الزوج فترة طويلة يتناول فيها طعام أمه، الذي اعتاده بحكم المدة الطويلة على طريقة معينة في الطبخ ونكهة تنفرد بها والدته.
لكن بعض الازواج يستغلون هذا الأمر، بحسب الحباشنة، لإظهار تقصير الزوجة والانتقاص من قدرها، وهنا تستطيع الزوجه التمييز بين التعود أو اشعارها بالتقصير، الأمر الذي يولد مشاعر سلبية بين الزوج والزوجة وحماتها.
تؤثر هذه الظاهرة سلبيا على الزوجة، التي تعتبر أن أداءها الطعامي دليل على تفوقها، فلا يجوز الانتقاص منها، لكن في المقابل فإن بعض الأزواج يجدون في مثل ذلك نوعا من الارتباط بالعائلة والأم، إضافة إلى اعتبارها طريقة للتعبير عن الحب والود والاحترام الذي يكنّه الشاب لأمه.








5118, Amman 11183, Jordan